ultracheck
رأي

عصر الجماهير: لا جديد تحت نصب الحرية

18 مارس 2020
GettyImages-1197733710.jpg
لا جديد تحت نصب الحرية، بل، في كلّ يوم تشرق شمس جديدة فوقه (Getty)
محمد غازي الأخرس
محمد غازي الأخرسكاتب وناقد وشاعر من العراق

حسنًا، لو طلب مني وضع عنوان لفصل من فصول ما بعد 2003 لاقترحت أن يكون هكذا؛ لا جديد تحت نصب الحرية. الأشياء تتشابه وتتكرر، وجماهيرية اليوم ذاتها جماهيرية الأمس، لكن الظروف شتى والسياق غير السياق. نعم، نصب الحرية الذي ينصت لصراخ الشبان منذ بدايات تشرين 2019 هو نفسه الذي رأى (عصر الجماهير) الذي أزاح عصر النخب. حدث ذلك قبل 14 تموز 1958 سواء كان الحدث انقلابًا أم ثورة ثم ترسّخ بعده. في اللحظة الأولى، سبق أن رأينا الجماهير وهي تدخل المشهد لتزلزله وتهزّ أحزابه التقليدية مغيرة صراعاتها الداخلية الفولكلورية. وفي لحظة 2019، انصتنا لخطى الشبان والمكاريد وسوّاق التكاتك وهي تقرع أسفلت المشهد السياسي مزلزلة نظامه ومجبرة رموزه على تغيير قواعد لعبتهم التقليدية.

عصر الجماهير هو العصر الذي يظهر فيه الناس "العاديون" كما لم يظهروا قبله. يظهرون بموازاة النخب التي دأبت على احتكار الحديث

    لكن، ما المقصود بعصر الجماهير؟ أنه العصر الذي يظهر فيه الناس "العاديون" كما لم يظهروا قبله. يظهرون بموازاة النخب التي دأبت على احتكار الحديث باسمهم في الصالونات الأنيقة. آنذاك، لم يكن يسمح لـ(عليوي) و(شلتاغ) و(رسن) بإبداء رأيهم فيمن يحكمهم أو الطريقة التي يحكمون بها. لهذا مثلًا، سخر فهمي المدرس، حسب شهادة زكي خيري، ممن طالبه ذات يوم بإعادة نشاط الحزب الوطني الذي جمده جعفر أبو التمن عام 1930 على خلفية النقاش على معاهدة ذلك العام الشهيرة. كان أبو التمن قد جمد الحزب خشية من دخول الجماهير كما يزعم زكي خيري. وفي اجتماع ما، طالب رئيس فرع الحزب في بعقوبة فهمي المدرس بإعادة الحزب بتنظيم مؤتمر انتخابي جديد، وهنا سخر (المدرس) منه وقال: ومن ننسب لوزارة الداخلية أعضاء للهيئة الإدارية؟ (علو) و(جلو)؟ كان يسخر من "الرعاع" كما يوضح زكي خيري.

اقرأ/ي أيضًا: على جسر الجمهورية

قد تبدو المسألة معقدة، لكنها بسيطة أيضًا؛ طالما بقيت الجماهير دون لسان، سيظل لعلية القوم أحقية تمثيلها. لكن بمجرد سماع صوت الأهالي، ستهتز المعادلة وتتمزق الخارطة، وهذا ما جرى ابتداءً مما بعد الحرب الثانية وصولًا إلى ما قبل الرابع عشر من تموز وبعده. حدثت تبدّلات اجتماعية عميقة، ريفيون نزحوا للعاصمة، وعي طبقي تفجّر، خطاب ثقافي معبر عن طبقة وسطى ترسخ. وبالنتيجة، دخلنا عصر الجماهير فأتيح للسان (علو) و(جلو) أن يغرد بلغة شعبية غير مسموعة سابقًا، ثم شرع اللسان في النضوج فأصبح بليغًا إلى أن فرض نفسه على صراعات الحياة السياسية. لهذا مثلًا، كان انشطر الحزب الوطني الديمقراطي إلى اتجاهين، واحد يريد فتح بوابة الحزب للجماهير وتزعم هذا التيار محمد حديد، والآخر يرغب بغلق الأبواب أمام الفلاحين والعمال، وكان يتزعم التيار كامل الجادرجي. بل في المؤتمر الانتخابي عام 1960، تجسّدت المعركة بأقسى صورها فطعن بشرعية النتائج بعد إبعاد آلاف الأعضاء وتأخير البتّ بطلبات انتمائهم كي لا يغيّروا المعادلة. الأمر ذاته جرى في أروقة الحزب الشيوعي الذي شهد جدالًا عميقًا بين تيارين فيه؛ التيار الـ"شعبوي" المطالب بفتح باب الحزب أمام طارقيه الجدد، الجماهير، والتيار الـ"نخبوي" المعارض لهذا الاتجاه، الخائف من سقوط الحزب في أيدي الانتهازيين والشعبويين.

لعل أبو سعيد (عبد الجبار وهبي) أفضل من عبّر عن هذه الجدلية، لكن من زاوية نظر مختلفة. يقول في أحد أعمدته الرائعة بـ(اتحاد الشعب) عام 1960 إن "النقباء والسادة والخواص من ذوي الحسب والنسب كانوا ينظرون إلى الديمقراطية على إنها انحطاط وانهيار وفوضى تضيع معها مقاييس النبل والرفعة والفضيلة والحقيقة"، غير أن الزمان  قد تغيّر، فإذا "الرعاع" يحطمّون "أغلال اليد والعنف والفكر"، فكان العصر الجديد، عصر الديمقراطية الذي لم يعد "النبيل" فيه يجرؤ "على أن يزدري الشعب".

أي نعم، "نبلاء" أمس آباء "نبلاء" اليوم، وجماهير تشرين  وريثة جماهير ما قبل تموز وما بعده. اللحظتان متشابهتان كما يشبه ابن أباه. وفي النهاية تبقى النتيجة: لا جديد تحت نصب الحرية، بل، في كلّ يوم تشرق شمس جديدة فوق نصب الحرية.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حلم التغيير وشروطه الغائبة

الثابت والمتحوّل في احتجاجاتنا: دروس للمشرق العربي

الكلمات المفتاحية

.

الخطاب الانتخابي في العراق.. انحدار المضمون وضياع الاتجاه

"المتابع بدقة للخطاب الانتخابي الحالي يدرك سريعًا أنه خطاب فقير وهشّ"


انتخابات اقتراع صندوق الانتخابات التصويت.PNG

شيء عن المقاطعة و"تقديس الانتخابات" في العراق

تختلف أي انتخابات في عام ما بعد 2021 عن أي انتخابات سبقتها في العراق


.

كيف يقوّض النائب "المعقّب" البرلمان العراقي وما المطلوب فعله؟

كيف يستعيد مجلس النواب شيئًا من قدرته على توجيه القرار العام؟


.

الرأي العام العراقي بين العاطفة والمبادئ.. قراءة في انتقائية التفاعل

الرأي العام ليس مجرد ردة فعل شعبية

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

الإطار السني
أخبار

"الإطار السني" يقترح عقد جلسة البرلمان الأولى قبل الكرسمس

اقترح المجلس السياسي السني عقد الجلسة الأولى لمجلس النواب الجديد قبل يوم الميلاد "الكرسمس"، داعيًا رئيس الجمهورية إلى تحديد الموعد بسرعة.


تدمر
أخبار

العراق يدين الهجوم على القوات الأميركية والسورية في تدمر

أدان العراق الهجوم الذي استهدف قوات أميركية وسورية قرب مدينة تدمر محذرة من "تهديدات إرهابية" ما تزال قائمة

اجتماع الإطار التنسيقي بعد اغتيال نصر الله.jpg
سياسة

نقاش اختيار رئيس الحكومة.. هل تم الاتفاق على مرشح داخل قوى الإطار؟

ستدخل نقاشات تشكيل الحكومة إلى مرحلة أكثر جدية بعد مصادقة المحكمة الاتحادية

الأكثر قراءة

1
مجتمع

كيف يحدث التشويش على GPS وتطبيقات الخرائط في المنطقة الخضراء وسط بغداد؟


2
سياسة

موزع ماريجوانا في ديترويت.. من هو مبعوث ترامب إلى العراق؟


3
سياسة

مشروع قطاع خاص يتحول لـ"ابتزاز" انتخابي.. مرشح مع السوداني يفصل موظفين لرفضهم انتخابه


4
سياسة

البرلمان يمرر قائمة السفراء المرسلة من السوداني.. حديث عن مخالفات و"إصرار على المحاصصة"


5
اقتصاد

تداعيات كارثية داخليًا وهزة قصيرة بالسوق العالمية.. خبير يفصّل في سيناريو "تصفير صادرات النفط العراقي"