ultracheck
رأي

"المصالحة الوطنية" في العراق

14 يناير 2016
GettyImages-170502393.jpg
بائع خبز في بغداد (Getty)
مصطفى سعدون
مصطفى سعدونصحفي من العراق

دخل مفهوم "المصالحة الوطنية" إلى العراق بعد عام 2003 بشكل قوي، وأصبح الجميع يتداوله، ونشرات الأخبار عجّت به، خاصة مع تولي رئيس الحكومتين السابقتين نوري المالكي ولايتيه 2006 - 2014. كان زعيم ائتلاف دولة القانون (المالكي)، كثير اللقاءات بشيوخ العشائر ورجال الدين، كما كان "يبذخ" بتقديم المنح والهبات لهم من موازنة الدولة بحجة "المصالحة"، فيما كانت الغاية الأساسية من وراء ذلك، شخصية. مثله كان بقية الساسة.

لا يُمكن أن تُعد أو تُحصى الأموال التي صُرفت على "المصالحة الوطنية" في العراق

تعتبر "المصالحة الوطنية" جزءًا من ملف "العدالة الانتقالية" الذي يُشير إلى مجموعة التدابير القضائية التي تُتخذ في البلدان التي تشهد تحولًا من نظام ديكتاتوري قمعي إلى نظام ديموقراطي، تكون الدولة ومؤسساتها في خدمة المجتمعات، وتُعزز فيه روح المجتمع نحو خلق بيئة إيجابية للتعايش.

لا يُمكن أن تُعد أو تُحصى الأموال التي صُرفت على "المصالحة الوطنية" في العراق، رغم ذلك كُنا نُمني النفس بالقول: "لا أهمية للمال أمام المصالحة"، لكننا بالنتيجة لم نحصل لا على "المصالحة" ولا المال. إن السبب الرئيسي لفشل هذا المشروع في العراق، يكمن في عدم إيلاء الكتل السياسية أية أهمية له، وإعطاء صلاحية تنفيذه لأشخاص غير متصالحين مع أنفسهم أساسًا، ولا يمتلكون القدرة ولا الكاريزما على إقناع الأطراف التي تشملها المصالحة للجلوس على طاولة واحدة.

لذا، بدا واضحًا للجميع، أن السياسيين العراقيين غير قادرين طيلة السنوات الـ13 التي عقبت دخول القوات الأمريكية للبلاد، أنهم غير مقتنعين أساسًا بفكرة إقامة "مصالحة" حقيقية، تنقل المجتمع من مرحلة تحميل بعضه مسؤوليات ما آلت إليه الظروف، خاضة الحرب الأهلية التي نشبت عام 2006.

اقتصر عمل لجان "المصالحة" على عقد مؤتمرات وندوات تُصرف فيها ملايين الدولارات، وإعلانات في وسائل الإعلام لا تقل كلفة عن الآليات التي سبقتها، فيما غيبوا الشخصيات الأكاديمية ذات القدرة على وضع منهاج يحصد نتائج إيجابية. كما أن عدم الاستعانة بخبرات دولية من دول نجحت فيها المصالحة مثل جنوب أفريقيا وتشيلي والأرجنتين، دفع أكثر بهذا الملف إلى الفشل.
 
تحتاج المصالحة إلى: 1- وجود بيئة خصبة للمصالحة؛ 2- قادة مجتمع وسياسة مؤمنين بالمصالحة؛ 3- معرفة المشكلة وأسبابها وإعطاء الحلول؛ 4- القبول بفكرة التعايش مع الآخر؛ 5- احترام الضحية، وتقديم الجلاد للمحاسبة؛ 6-  ثقة الأطراف ببعضها؛ 7- الاتفاق على هوية جامعة.

لن تكون هناك "مصالحة وطنية"، ما لم يبعد أهل السياسة أتباعهم عن تنفيذ هذا الملف

الأشخاص الذين عينوا في مناصب تنفيذية للجان المصالحة الوطنية، وكمستشارين لرئيس الحكومة السابقة لهذا الملف، كانوا غير مؤهلين لتسنم مهام إجراء مصالحة بين أطراف تدور في بالها فكرة إنهاء الآخر المختلف، لأنهم ببساطة كانوا يمثلون أحزاب سياسية وطوائف جزء من هذه الأزمة، لذا كان الرفض مستمر من قبل الآخرين. وبدلاً من أن يعمل هذا الملف على مساعدة العراقيين لتلتئم جراحهم وتحقيق العدالة الحقيقية، زادها، من خلال انتقائية التعامل مع الأشخاص المشمولين بالمصالحة من غيرهم. مثلًا، أن الكتل السياسية وخلف الكواليس، دارت بينها اتفاقات دون الرجوع للمؤسسات المعنية بملف العدالة الانتقالية، وقامت بمحاسبة شخصيات بطرق غير قضائية و"العفو" عن شخصيات كان ملفها مبنيًا على أصوات الضحايا.

لن تكون هناك "مصالحة وطنية"، ما لم يبعد أهل السياسة أتباعهم عن تنفيذ هذا الملف، والدفع بخبراء دوليين ومحليين قادرين على رسم خطة ميدانية تثقيفية حقيقية غير المؤتمرات والبذخ على شيوخ العشائر ورجال الدين الذين كان بعضهم مصدرً لمأساة البلاد غير المنتهية.

في المحصلة، المصالحة لن تكون إجبارية، ولن تنفع الأموال والمؤتمرات وغيرها، ما لم يكن هناك قناعة تامة بالعيش مع المختلف مهما كانت الانتماءات، والإيمان بهوية مشتركة جامعة، وشجاعة من قادة المجتمع للاعتراف بأخطاء الماضي.

اقرأ/ي أيضًا:

مفوضية حقوق الإنسان في العراق!

أحوال الانتقائية العراقية

الكلمات المفتاحية

.

الخطاب الانتخابي في العراق.. انحدار المضمون وضياع الاتجاه

"المتابع بدقة للخطاب الانتخابي الحالي يدرك سريعًا أنه خطاب فقير وهشّ"


انتخابات اقتراع صندوق الانتخابات التصويت.PNG

شيء عن المقاطعة و"تقديس الانتخابات" في العراق

تختلف أي انتخابات في عام ما بعد 2021 عن أي انتخابات سبقتها في العراق


.

كيف يقوّض النائب "المعقّب" البرلمان العراقي وما المطلوب فعله؟

كيف يستعيد مجلس النواب شيئًا من قدرته على توجيه القرار العام؟


.

الرأي العام العراقي بين العاطفة والمبادئ.. قراءة في انتقائية التفاعل

الرأي العام ليس مجرد ردة فعل شعبية

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

الإطار.jpg
أخبار

قيادي في "دولة القانون": اسمان مطروحان لمنصب رئيس الوزراء.. والإطار متجه للتوافق

"المعادلة داخل الإطار التنسيقي تعتبر متشابكة"


.
أخبار

خاص| الاجتماعات بين "البارتي" و"اليكتي" بشأن تشكيل الحكومة ستبدأ خلال أيام

مفاوضات حول "حسم الاستحقاقات"

المجلس السياسي الوطني يعقد اجتماعا في بغداد
سياسة

خاص| اجتماع ثالث للمجلس السياسي الوطني يبحث مرشح رئاسة البرلمان العراقي

القوى السنية ربما تناقش أسماء عدة مطروحة لرئاسة مجلس النواب المقبل

الأكثر قراءة

1
مجتمع

كيف يحدث التشويش على GPS وتطبيقات الخرائط في المنطقة الخضراء وسط بغداد؟


2
سياسة

موزع ماريجوانا في ديترويت.. من هو مبعوث ترامب إلى العراق؟


3
سياسة

مشروع قطاع خاص يتحول لـ"ابتزاز" انتخابي.. مرشح مع السوداني يفصل موظفين لرفضهم انتخابه


4
سياسة

البرلمان يمرر قائمة السفراء المرسلة من السوداني.. حديث عن مخالفات و"إصرار على المحاصصة"


5
اقتصاد

تداعيات كارثية داخليًا وهزة قصيرة بالسوق العالمية.. خبير يفصّل في سيناريو "تصفير صادرات النفط العراقي"