ultracheck
رأي

التنظيم السياسي.. وقاية من الدكتاتورية المضادة

15 نوفمبر 2019
GettyImages-1182322095.jpg
لم تستطع الأحزاب إقناع جماهيرها ببرامج سياسية ديمقراطية ومتطورة، اعتمدت على الطوائف (Getty)
رعد أطياف
رعد أطيافكاتب من العراق

يحذر تروتسكي من انفراط الجماهير الثورية، وانتهاء أمرها إلى الضياع في انفجارات مشتتة، ومن ثم تنتهي هذه العصيانات العظيمة بدكتاتورية مضادة شديدة القسوة على هذه الجماهير. فمن هذه الناحية، يحذرنا هذا المفكر الفذ من وضع "برنامج صائب وحزب حازم، وقيادة جديرة بالثقة ومفعمة بالجسارة". ومنذ ذلك الوقت كان هذا المفكر وأمثاله يعانون من "أبطال" الصالونات وهذياناتهم أسوة بأشباههم البرلمانيين! فلا يُكتب لأي تنظيم سياسي النجاح ما لم ينظر إلى القاعدة الجماهيرية مفضلًا إيّاها على القمة؛ ذلك إن معظم الخيبات تصدر من هذه العلّة المستحكمة، التي تفضّل علية القوم على السواد الأعظم من الجماهير، فيغدو الحزب في وادٍ والجماهير في وادٍ آخر.

علّة سقوط أحزاب السلطة في العراق أنها لم تستطع إقناع الجماهير ببرامجها السياسية، وإنما استثمرت الفراغ السياسي الهائل الذي تركته سياسة الاستبداد لوقت طويل

إن علّة سقوط أحزاب السلطة تكمن هنا وبالذات، لم تستطع إقناع الجماهير ببرامجها السياسية، وإنما استثمرت الفراغ السياسي الهائل الذي تركته سياسة الاستبداد لوقت طويل، فكانت الجماهير مضطرة لانتخابها، ليس لبرامجها، التي لم يطّلع عليها أحد من هذه الحشود، ولا حتى لقربها المذهبي، وإن كان الأمر يوحي بذلك، وإنما للحظة التي شكّلت حدثًا مفصليًا في تاريخ العراق السياسي؛ فقد كانت نهاية حقبة صدام حسين صدمة كبيرة للشعب العراقي، بعد أن يئس كليًا من القضاء على هذا الدكتاتور المغرور. فانفجرت هذه الحشود نحو صناديق الاقتراع للترحيب بهذا البديل الجديد، الذي داعبهم كثيرًا بإغوائاته المذهبية، وخطر الآخر الذي يتربّص بهم. ومن الناحية الواقعية، لا توجد جماهير تابعة لهذه الأحزاب، باستثناء فئات موالية لا يمكن الرهان عليها، فهي تغيّر جلدها طبقًا لمصالحها الضيقة.

اقرأ/ي أيضًا: دروس من ساحة التحرير

فالسبب الجوهري لنجاح انتفاضة تشرين وتأييدها من قبل جمهور واسع، هو هذه الفجوة الواسعة والفقر المدقع لأحزاب السلطة وانفصالها عن الواقع، وغياب الجماهير التي انتخبتها، وهذا دليل ساطع على أن الناخبين كانوا جماهير مُصطنَعَةَ!، بمعنى أنهم لم يتمسّكوا بهذه الأحزاب لقناعة سياسية أو طائفية (كما يروّج لها)، بل هي تحصيل حاصل، نتيجة الفراغ السياسي الذي تزامن مع سقوط البعث.

والدليل على ذلك، أن هذه الجماهير خاضت احتجاجات سابقة، غير أن القائمين على تلك الاحتجاجات غلّبوا الجانب الفئوي على غيره، مضافًا إلى قوّة السلطة وجبروتها، فانتهت في وقتها وسط الإحباط الذي ذكرناه. وأنا استغرب ممّن يوجهون اللوم للجماهير حينما انتخبت هذه الأحزاب في وقتها. فهم يعلمون جيدًا إنها أول تجربة "ديمقراطية" خاضها العراقيون منذ عقود طويلة، فلا تلام الجماهير، بل يلام بعض المثقفين الذين ساروا في ركاب السلطة، واعتبروا أن وقع القنابل على مسامعهم مثل الألعاب النارية!

 المهم في الأمر هنا، إن أحزاب السلطة تعاني من فراغ جماهيري مرعب، فاستثمر الشباب - وليس المثقف - هذه الفجوة، ففجّروا انتفاضة تشرين، ولم ينتظروا المثقفين ليفعلوها، لأن هؤلاء منشغلون بمصالحهم الفئوية الصغيرة، أما القضايا الكبرى فهم في حلٍ منها. غير أن مخاوفنا تنبع من هنا: غياب التنظيم السياسي. وينبغي أن ننتبه لهذه الملاحظة، إن غياب التنظيم لا يعني بالضرورة غياب الثمار؛ فقد حققت هذه الانتفاضة عدّة أمور، ومنها:

  • فتح الانسداد السياسي الذي خلّفته احتجاجات 2015.
  • خلقت وعيًا شعبيًا متناميًا يؤسس لثقافة المعارضة بعد أن كانت غائبة كليًا عن وعينا السياسي بهذه الصيغة الجماهيرية التي نشهدها.
  • فتحت باب العداء واسعًا ضد السياسيات العالمية والإقليمية التي كانت سببًا في مأساة العراقيين.
  • ولّدت ضغطًا غير مسبوق على جماعة الخضراء، وستحسب السلطة، في المستقبل، ألف حساب لهذه الجماهير، رغم كل محاولات التجاهل التي تبديها هذه السلطة.

مهما يكن من أمر، فينبغي أخذ التنظيم بنظر الاعتبار (في المستقبل القريب على الأقل)، إذ لا يمكن ضبط إيقاع هذه الجماهير والسيطرة على انفجارها المشتت مالم نفكر في المرحلة التالية، وهذه الأخيرة تعني انخراط الجماهير في العمل السياسي المنظم. وقد تم طرح هذا المقترح في احتجاجات 2015، لكنّه دخل من الأذن اليمنى وخرج من اليسرى! لأن القوم كانوا عازمين على إسقاط أوضاعهم الفئوية والتنكر لحاجات الشعب الأساسية.

العقلانية تدفعنا صوب التنظيم السياسي؛ التنظيم رديف العقلانية، ونقيضه هو الفوضى وضياع الحقوق وتنامي القمع

 كانت العَلمانية شغلهم الشاغل، وبطريقة صبيانية مضحكة استبدلوها بـ"المدنية" للتمويه على الجمهور الديني! وعلى الرغم من جهلهم بالواقع، وعنادهم، وتصلّبهم، وفشلهم في التضامن فيما بينهم، انفجرت هذه الفقاعة تاركةً خلفها كمية واسعة من الإحباط واللاجدوى. فيمكن القول إن الحراك "المدني" كان حراكًا فئويًا بلا جماهير مؤمنة به، على عكس انتفاضة تشرين: إنها جماهير مليونية، لكن بلا تنظيم يمثلها. فما تحتاجه لتصحيح المسار الديمقراطي في العراق، والقضاء على المحاصصة الطائفية سيئة الصيت، هو الانخراط في العمل السياسي عن طريق حزب يتكون من أفراد مخلصين يكون على عاتقهم تصحيح هذا المسار المتعرّج، لكي لا نصاب بالإحباط  مرّة أخرى.

هل سنسمع المشورة، أم ستكون كسابقتها؟ لا يوجد عندي أي جواب، وحدهم الشباب من يستطيعون الإجابة.

اقرأ/ي أيضًا: "الأنا الوطنية" التي صنعها هذا الجيل

 قائمة العواطف تطول، وربما تجلب الهم وتميت القلب من فجيعتها، ذلك إن فجائعنا تعدّت حدود المعقول. على أي حال، إن لم يكن للعقلانية مكان فستبتلعنا العاطفة وينتهي كل شيء. العقلانية تدفعنا صوب التنظيم السياسي؛ التنظيم رديف العقلانية، ونقيضه هو الفوضى وضياع الحقوق وتنامي القمع.

فلنضع هذه القضية نصب أعيننا، وبالتأكيد أن التنظيم لا يجعل الحياة وردية، وإنما هو خطوة جوهرية لرحلة الألف ميل.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

انتفاضة تشرين.. جيل اليوم في مواجهة النظام الطائفي

العقل الجمعي يقدّم الدروس للمثقف العراقي!

الكلمات المفتاحية

.

الخطاب الانتخابي في العراق.. انحدار المضمون وضياع الاتجاه

"المتابع بدقة للخطاب الانتخابي الحالي يدرك سريعًا أنه خطاب فقير وهشّ"


انتخابات اقتراع صندوق الانتخابات التصويت.PNG

شيء عن المقاطعة و"تقديس الانتخابات" في العراق

تختلف أي انتخابات في عام ما بعد 2021 عن أي انتخابات سبقتها في العراق


.

كيف يقوّض النائب "المعقّب" البرلمان العراقي وما المطلوب فعله؟

كيف يستعيد مجلس النواب شيئًا من قدرته على توجيه القرار العام؟


.

الرأي العام العراقي بين العاطفة والمبادئ.. قراءة في انتقائية التفاعل

الرأي العام ليس مجرد ردة فعل شعبية

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

المنتخب العراقي
منوعات

الكرة عاندت الأسود.. المنتخب العراقي يودع بطولة كأس العرب من دور الثمانية

ودع المنتخب الوطني العراقي بطولة كأس العرب 2025 المقامة في قطر بخسارة أمام الأردن بهدف واحد بعد أداء قوي وفرص محققة


GettyImages-78409916.jpg
اقتصاد

10 نقاط تريدها المؤسسات الدولية من العراق.. تخفيض الإنفاق العام ولا وظائف

أخطاء ناجمة عن السياسات الاقتصادية الكلية

.
منوعات

الغيابات تعصف بالمنتخب العراقي في مواجهة الأردن.. و5 لاعبين فقط على دكة البدلاء

المنتخب العراقي ونظيره الأردني يتمتعان بمهارات متشابهة

الأكثر قراءة

1
مجتمع

كيف يحدث التشويش على GPS وتطبيقات الخرائط في المنطقة الخضراء وسط بغداد؟


2
سياسة

موزع ماريجوانا في ديترويت.. من هو مبعوث ترامب إلى العراق؟


3
سياسة

مشروع قطاع خاص يتحول لـ"ابتزاز" انتخابي.. مرشح مع السوداني يفصل موظفين لرفضهم انتخابه


4
سياسة

البرلمان يمرر قائمة السفراء المرسلة من السوداني.. حديث عن مخالفات و"إصرار على المحاصصة"


5
اقتصاد

تداعيات كارثية داخليًا وهزة قصيرة بالسوق العالمية.. خبير يفصّل في سيناريو "تصفير صادرات النفط العراقي"