ultracheck
رأي

صناعة الرموز: بين دمى الأفلام المتحركة وشباب تشرين

14 يوليو 2020
GettyImages-1180525633.jpg
كل واحد من الشباب أراد أن يكون صفاء السراي في يوم ما (Getty)
إيناس فليب
إيناس فليبشاعرة عراقية

أعتقد أن السؤال الأصعب في العصر الذي نعيشه الآن، هو ما الذي يحتاجه الشعب؟ ولا تكمن الصعوبة في التشخيص، بل لأن ترميم بناية من الخراب أكثر صعوبة من بناء واحدة جديدة على أرض قاحلة. 17 عامًا وهذه البلاد لم تستطع أن تقف باستقامة الملوك، أو تزحف مثل طفل، أو ترجع إلى الوراء، أنها مثل بئر يتلقف الحجارة في جوفه كل يوم! لكنني سأتكلم اليوم عن السلوك الجمعي للشعب، وكيف صُنعت الأخلاق العامة لتلائم حالة الخراب التي تشهدها البلاد.

صنعت السلطة في العراق رموزًا طائفية تنسجم مع حالة الانحطاط الذي تصدره للشارع للهيمنة على كل شيء

في أغلب البرامج الميدانية، عندما يوجه المراسل سؤاله لامرأة كبيرة في السن عن ما الذي أصابنا، تجيب: "يمّه عدنة أزمة أخلاق"! والسؤال هنا؛ ما هي الأخلاق؟ تعرف الأخلاق اصطلاحيًا بأنها مجموعة من القواعد والعادات السلوكية التي يعتنقها مجتمع ما، مع ذلك بقيت هذه القواعد طائرة في الفضاء ونسبية، فمثلًا شرب الكحول عند أغلب الفقراء في بعض المجتمعات أمر غير أخلاقي، لكنه عند الأغنياء مدعاة للفخر والتباهي..  يقول ماركس إن "الأخلاق هي صناعة الأقوياء والمترفين لاستعباد الضعفاء والمعدمين"، وهنا يرى ماركس أن القيم الأخلاقية هي صناعة من المترفين، ويرى أن الطبقة المسيطرة اقتصاديًا هي الطبقة المسيطرة أخلاقيًا، وهي من تهيمن ثقافيًا كذلك، بينما يرى نيتشه أن "الأخلاق هي من صناعة الفقراء والمعدمين، وأنها حيلة للضحك على الأقوياء لكي يأخذوا منهم المكاسب والمنافع"! وغالبًا ما نسمع أن الفقير لا يملك غير كرامته وأخلاقه، لكن هذه الرؤية تواجه بالسؤال الدائم والإشكالي تقريبًا: من يصنع هذه الأخلاق؟ وما هي قوة الفقراء في التأثير سياسيًا واقتصاديًا ليصنعوا الأخلاق؟ 

اقرأ/ي أيضًا: سوسيولوجيا المجتمع العراقي ما بعد 2003.. في شخصية الفرد

في السابق، كانت "القيم العامة" تخرج من هوية المجتمع التي تستند إلى أدبيات وثقافة وطنية مشتركة تصنعها الدولة، وكانت وسائل الإعلام الرصينة تصدر رموزًا ليقتدى بهم، سواء كانوا إعلاميين أو صحفيين أو فنانين.. في مصر مثلًا، عندما مات العندليب، كانت جثث النساء تتطاير من الشبابيك، وهي ليست دعوة للحب المفرط الذي يؤدي للانتحار، لكنها إضاءة لمسيرة رمز فني قدم رسالة يقتدى بها.  

في العراق، كان السلك العسكري هو الحاكم، وكان يفرض الهيبة والاحترام لأنه يمثل رمزية كبرى في الخطاب العام للدولة وهيمنتها، لدرجة أن الكلام عن الارتباط بفارس الأحلام في المجتمع كان يختم بضابط "أريد اتزوج ضابط"، بينما الآن صار السلك العسكري ظلًا لقوى أكبر، وأصبحت الكلمة للميليشيات بعد أن صارت الحياة بأمر منها، وهو دلالة على شكل النظام الحالي وصناعته لهذه الثقافة!

في الشاشة على سبيل المثال، وقبل أن تقتحمنا عمليات التجميل و"أبر البوتوكس"، كان الكلام السليم والمادة الدسمة هي ورقة المقدمة التي تدخل كل بيت، لا عدد العمليات التي أجرتها! بينما الآن، صارت الإعلامية "مودل"، وصار الإعلامي مبتزًا، وصارت القنوات موزعة على أساس طائفي يخدم مصلحة طائفة ما أو جماعة مهيمنة في الشارع، وكل هذه الأشياء تنبئنا بأن هنالك أزمة في الرمز المؤثر لا في الأخلاق فقط، وهي حالة تنسجم مع الانحطاط السياسي الموجود والخطاب العام الذي من المفترض أن يصدر للناس من قبل الوسائل المقروءة أو المسموعة.

اليوم نرى، أن كل الشخصيات المتصدرة للمشهد العام هي محط سخرية للآخرين، الشباب اليوم يسخرون من الضابط، من الفنان، ومن رئيس الدولة، لأنهم كلّهم محط سخرية، على عكس ما حدث قبل عدة أشهر، حين صنع الشارع رموزه الوطنية التي ستكون أيقونة للحقوق واستعادة الكرامة. في انتفاضة تشرين مثلًا عندما صنع الموت أول رمز في ساحة التحرير صفاء السراي. وقع صفاء وهو يصرخ بوجه الحياة، وكان لوقوعه صدى شبان آخرون تلقفوا رسالته وواصلوا الصراخ، صفاء أصبح رمزًا يقتدى به، رمز البطولة والشجاعة والإخلاص والإيثار، وهو الشاب الفقير الذي يحلم بوطن خال من الجشع. شعر الآخرون بأهميته وأدركوا معنى أن يموت شابًا في مقتبل العمر، بينما تنبت سيرته في الحياة مثل شجرة معمرة، كل واحد أراد أن يكون صفاءً في يوم ما، البطل الذي لا شيء لديه أثمن من الأرض والوطن وحقوق الناس.

شعر الشباب بأهمية صفاء السراي وأدركوا معنى أن يموت شابًا في مقتبل العمر، كل واحد منهم أراد أن يكون السراي في يوم ما

بينما في الجانب الآخر، سيطرت السلطات على المشهد العام، وقدمت أشخاصًا يشبهون دمى الأفلام المتحركة، لولا الصوت الخارجي لكانوا صورة جامدة لا تستطيع أن تحرك أصبعًا. فنانون وإعلاميون، شعراء وكتاب وقادة وسياسيون، أنها القوى التي غيرت شكل الأخلاق وصنعت رموزًا من الكارتون!

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

مَن يُفسد مَن؟

نيويورك تايمز تحتفي بـ "ابن ثنوة".. هل هذا أنت يا صفاء؟

الكلمات المفتاحية

.

الخطاب الانتخابي في العراق.. انحدار المضمون وضياع الاتجاه

"المتابع بدقة للخطاب الانتخابي الحالي يدرك سريعًا أنه خطاب فقير وهشّ"


انتخابات اقتراع صندوق الانتخابات التصويت.PNG

شيء عن المقاطعة و"تقديس الانتخابات" في العراق

تختلف أي انتخابات في عام ما بعد 2021 عن أي انتخابات سبقتها في العراق


.

كيف يقوّض النائب "المعقّب" البرلمان العراقي وما المطلوب فعله؟

كيف يستعيد مجلس النواب شيئًا من قدرته على توجيه القرار العام؟


.

الرأي العام العراقي بين العاطفة والمبادئ.. قراءة في انتقائية التفاعل

الرأي العام ليس مجرد ردة فعل شعبية

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

الإطار السني
أخبار

"الإطار السني" يقترح عقد جلسة البرلمان الأولى قبل الكرسمس

اقترح المجلس السياسي السني عقد الجلسة الأولى لمجلس النواب الجديد قبل يوم الميلاد "الكرسمس"، داعيًا رئيس الجمهورية إلى تحديد الموعد بسرعة.


تدمر
أخبار

العراق يدين الهجوم على القوات الأميركية والسورية في تدمر

أدان العراق الهجوم الذي استهدف قوات أميركية وسورية قرب مدينة تدمر محذرة من "تهديدات إرهابية" ما تزال قائمة

اجتماع الإطار التنسيقي بعد اغتيال نصر الله.jpg
سياسة

نقاش اختيار رئيس الحكومة.. هل تم الاتفاق على مرشح داخل قوى الإطار؟

ستدخل نقاشات تشكيل الحكومة إلى مرحلة أكثر جدية بعد مصادقة المحكمة الاتحادية

الأكثر قراءة

1
مجتمع

كيف يحدث التشويش على GPS وتطبيقات الخرائط في المنطقة الخضراء وسط بغداد؟


2
سياسة

موزع ماريجوانا في ديترويت.. من هو مبعوث ترامب إلى العراق؟


3
سياسة

مشروع قطاع خاص يتحول لـ"ابتزاز" انتخابي.. مرشح مع السوداني يفصل موظفين لرفضهم انتخابه


4
سياسة

البرلمان يمرر قائمة السفراء المرسلة من السوداني.. حديث عن مخالفات و"إصرار على المحاصصة"


5
اقتصاد

تداعيات كارثية داخليًا وهزة قصيرة بالسوق العالمية.. خبير يفصّل في سيناريو "تصفير صادرات النفط العراقي"