ultracheck
رأي

الأمازيغية في الجزائر.. من السجن إلى الدستور

7 يناير 2016
1011454_494160767319779_667680746_n.jpg
أطفال يكتبون بالأمازيغية
عبد الرزاق بوكبة
عبد الرزاق بوكبةشاعر وروائي وإعلامي من الجزائر

لا زلتُ أذكر تفاصيل المشهد العائد إلى مطلع القرن الجديد، كأنه حدث البارحة فقط: نخبة من الشرطة تهجم على نخبة من الشباب الأمازيغ، في مدينة سطيف شرقًا، لتفرّق مظاهرتهم المطالبة بدسترة اللغة الأمازيغية. ومما علق في البال أكثر، عصا أحد رجال الشرطة وهي تهوي على وجه شاب متظاهر، عثرت به قدمُه فلم يتمكن من الفرار. كان يتلقى الضربات، من غير أن يكفّ عن الهتاف للغة الأجداد.

أثبت الزمن الجزائري الذي لا يشبهه زمن آخر، أن دسترة أمر لا يعني أنه سيؤول بالضرورة إلى الرعاية والحماية

ليلًا.. التقيت الفتى في طابور المطعم الجامعي، والكدمات تعوي في كامل وجهه، فقال لي عبارة بقيت هي الأخرى عالقة في البال: "شكرًا للشرطي الذي أورثني ندبة في وجهي، لأنني سأجد دليلًا ماديًا أقدّمه لولدي، على أنني ناضلت من أجل لغتي"، قلت له: وهل قدر ولدك ألا يرث عنك إلا الندوب؟

كان ذلك المشهد ينتمي إلى العهدة الأولى للرئيس الحالي، وقد تكرّر أكثر من مرة في عهدتيه الثانية والثالثة، بل إن بعض المشاهد أزهق أرواحًا، ولم يكتفِ بالتسبّب في ندبة أو رعاف فقط، وها هو الرئيس نفسُه، بغض النظر عن كونه على علم أو على جهل، في ظلّ حالته الصحية غير المعروفة بدقة لدى الشعب، يأمر بدسترة اللغة الأمازيغية، لتصبح لغة وطنية رسمية إلى جانب اللغة العربية.

هنا يطرح هذا السؤال العنقودي نفسه: هل فعل السيد بوتفليقة ذلك تكفيرًا عن ذنب ظل يستشعره في حق تلك الأرواح، وخوفًا على سقوط أرواح أخرى، بعد أن أكدت له التجارب، أن الدسترة مطلب غير قابل للنقاش في أوساط الأمازيغ؟ أم هي محاولة منه لاحتواء الغضب الأمازيغي المتنامي، والقابل للانفجار في أية لحظة، خاصة في ظل بوادر تقول إن هناك حراكًا شعبيًا ضد قانون المالية الجديد، وستكون شرارته الأولى، كالعادة، على يد المواطنين الأمازيغ؟ أم دشّن هذه الخطوة التي عمرها من عمر الاستقلال الوطني، لإدراكه كونَها خطوة حضارية في حق لغة أصيلة داخل الفضاء الجزائري، صمدت قرونًا من الزمن، في وجه كل العواصف التي عصفت بلغات أخرى في النسيج اللغوي العالمي، وبقيت سيدة الملايين من الألسنة الجزائرية، رغم كل محاولات المحو؟

من التعسف الحكم على نية الرجل، كما أنه من المبالغة التهليل للخطوة، من طرف المرحبين بها في الوقت نفسه، فقد أثبت الزمن الجزائري الذي لا يشبهه زمن آخر، أن دسترة أمر في الجزائر، لا يعني أنه سيؤول بالضرورة إلى الرعاية والحماية، وهو المقصود أصلًا من الدسترة، فاللغة العربية ذاتها، كانت في طليعة الثوابت الوطنية المدسترة، منذ أول دستور عرفته الجزائر المستقلة مطلع ستينيات القرن العشرين، مع ذلك فهي منهكة ومنتهكة، على يد واضعي الدستور أنفسهم.

على الذين ساهموا في دخول الأمازيغية إلى الدستور، أن ينسحبوا لصالح أهل العلم حتى يقرّروا طرائق تدريسها وتطويرها

لقد تابعتُ النقاشات التي أثارها القرار، بين النخب المثقفة، ولاحظتُ أن بعضهم ما يزال نائيًا عن قراءة لحظته الجزائرية، بعيدًا عن التعصب والانغلاق، بل إن بعضهم راح يتباكى على لغة القرآن، وكأن الأمازيغية ستحل محلها، بصفتها لغة الشيطان، أو كأن ملايين الأمازيغ الذي اعتنقوا الإسلام دينًا والجزائر وطنًا، على مدار قرون من الزمن، سيصبح هاجسهم الأكبر، بعد دسترة لغتهم، أن يمحوا العربية والعرب من هذا الفضاء المشترك.

إن كان هناك ما يجب أن يقوله عاقل في هذه المناسبة، فهو أن الرهان بات جماعيًا، بين الجزائريين كلهم، لبذل ما يجب أن يُبذل من جهود، قصد تطوير هذه اللغة التي ترتبط بالأصول، وتنقيتها من أبعادها الشفوية، بإلحاقها بمخابر البحث لا بمخابر السياسة، وتشجيع المنابر التي تحتفي بأدبياتها وفنونها وترجمتها، فقد استطاع الجزائريون أن يضيفوا إلى اللغة الفرنسية، حتى لا أقول لغة الاحتلال، فلماذا لا يفعلون ذلك مع لغتهم الأم؟

هنا يتعيّن على السياسيين الذي ساهموا في دخول اللغة الأمازيغية إلى الدستور، أن ينسحبوا لصالح أهل العلم والاختصاص، حتى يقرّروا، بشروط العلم لا السياسة، طرائق تدريسها وتطويرها، وطبيعة الخط الذي تُكتب به. 
 
اقرأ/ي أيضًا:

اللغة الأمازيغية تدخل الجامعات الليبية

شعر أمازيغ الجزائر.. ذاكرة الألم

الكلمات المفتاحية

.

الخطاب الانتخابي في العراق.. انحدار المضمون وضياع الاتجاه

"المتابع بدقة للخطاب الانتخابي الحالي يدرك سريعًا أنه خطاب فقير وهشّ"


انتخابات اقتراع صندوق الانتخابات التصويت.PNG

شيء عن المقاطعة و"تقديس الانتخابات" في العراق

تختلف أي انتخابات في عام ما بعد 2021 عن أي انتخابات سبقتها في العراق


.

كيف يقوّض النائب "المعقّب" البرلمان العراقي وما المطلوب فعله؟

كيف يستعيد مجلس النواب شيئًا من قدرته على توجيه القرار العام؟


.

الرأي العام العراقي بين العاطفة والمبادئ.. قراءة في انتقائية التفاعل

الرأي العام ليس مجرد ردة فعل شعبية

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

الإطار.jpg
أخبار

قيادي في "دولة القانون": اسمان مطروحان لمنصب رئيس الوزراء.. والإطار متجه للتوافق

"المعادلة داخل الإطار التنسيقي تعتبر متشابكة"


.
أخبار

خاص| الاجتماعات بين "البارتي" و"اليكتي" بشأن تشكيل الحكومة ستبدأ خلال أيام

مفاوضات حول "حسم الاستحقاقات"

المجلس السياسي الوطني يعقد اجتماعا في بغداد
سياسة

خاص| اجتماع ثالث للمجلس السياسي الوطني يبحث مرشح رئاسة البرلمان العراقي

القوى السنية ربما تناقش أسماء عدة مطروحة لرئاسة مجلس النواب المقبل

الأكثر قراءة

1
مجتمع

كيف يحدث التشويش على GPS وتطبيقات الخرائط في المنطقة الخضراء وسط بغداد؟


2
سياسة

موزع ماريجوانا في ديترويت.. من هو مبعوث ترامب إلى العراق؟


3
سياسة

مشروع قطاع خاص يتحول لـ"ابتزاز" انتخابي.. مرشح مع السوداني يفصل موظفين لرفضهم انتخابه


4
سياسة

البرلمان يمرر قائمة السفراء المرسلة من السوداني.. حديث عن مخالفات و"إصرار على المحاصصة"


5
اقتصاد

تداعيات كارثية داخليًا وهزة قصيرة بالسوق العالمية.. خبير يفصّل في سيناريو "تصفير صادرات النفط العراقي"