ultracheck
رأي

هستيريا الطشّة: دراما على خطى "إعلام البرتقالة"

10 مايو 2019
الشهرة.png
لا يفرّق الكثير من الباحثين عن الشهرة بينها وبين الفضيحة والابتذال (تويتر)
زيا وليد
زيا وليدكاتب وصحفي من العراق

تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي موجة من الانتقادات الساخرة لمسلسلات عراقية تعرض في شهر رمضان على الشاشات المحلية فضلًا عن شاشة MBC عراق حديثة العهد، التي توقع المتابعون قبل انطلاقها أن تكتسح جميع القنوات التلفزيونية المحلية بأعمال ذات جودة وحرفية عالية ومحتوى مُغاير ومختلف عن الإنتاج المحلي لما تحمله القناة من شهرة عربية.

افتتحت أغنية "البرتقالة" مشهد العراق الجديد بعد 2003 فيما يخص الغناء، وانتشرت الأغنية بفضل "راقصاتها" على الصعيد العربي، بل اتخذها بعض الأشقاء عنوانًا للسخرية من العراقيين

لست مُتابعًا للأعمال الدرامية العراقية، ولا تستهويني منذ البدء، كما أن مُتابعتها ونقدها يستلزم ـ على الصعيد الجاد ـ ناقدًا متخصصًا عارفًا بتفاصيل نقده. هذا لا يمنع أن يُقدّم الجمهور البسيط رأيهُ الخاص بوصفه الجهة التي تخاطبها تلك الأعمال، ولا يُطلب من الجمهور المُتابِع أن يفهم في حيثيات النقد الأكاديمي طالما أن العمل غير نخبوي، وموجهٌ للناس بمختلف شرائحهم. مع ذلك، فلَستُ بصدد الحديث عن الأعمال فنيًا، أو التأشير على أخطائها وسلبياتها. أقول هنا إن نسبة واسعة من المشاهدين يُصدرِون انتقادات لاذعة لهذه الأعمال، ولأني أفترض ذكاء القائمين على العمل الدرامي من المنتج ومالك القناة حتى أصغر ممثل في العمل، فَهُم يعرفون ما يُقدمونه للناس، خصوصًا في مثل هذا الشهر، لهذا الافتراض فقط، أتناول الموضوع من زاوية معينة.

اقرأ/ي أيضًا: الدراما التلفزيونية والسياسة.. لا صوت يعلو على الأيديولوجيا!

لقد افتتحت أغنية "البرتقالة" مشهد العراق الجديد بعد 2003 فيما يخص الغناء، وانتشرت الأغنية بفضل "راقصاتها" على الصعيد العربي، بل اتخذها بعض الأشقاء عنوانًا للسخرية من العراقيين. ظهرت البرتقالة بعد سنوات من الرقابة الحكومية على الإنتاج الفني، التي لم تمنع ـ أي الرقابة ـ ظهور أعمال فنية تافهة، لكنها على أية حال ليست بالشكل الإخراجي الذي ظهرت عليه البرتقالة مُشكّلة صدمة للمُشاهد العراقي والعربي. لست بصدد الانتقاص من أغنية البرتقالة، وأعتقد أنها تمثيل لشريحة من المجتمع العراقي، من وجهة نظر ليبرالية خاصة؛ لكنها ـ وهنا مكمن الأسف ـ أصبحت رمزًا لكل فنان أراد الشهرة من بابها الأسهل والأوسع، ما جعل الفنان الذي يُفكر بتقديم أغنية جادة، هو مجرد مغفل في سوق الشعبوية الرخيص. إنه "كمش" كما يُعبر العراقيون عمّن تنطلي عليه عمليات الخداع، أو من لا يأخذ حقه "المُتخيّل" كما يجب. ولم تقتصر هذه الطريقة في التعامل مع الأمور على الأغنية، بل أنها انعكاسٌ لواقع نشأ بعد سقوط النظام، يُسمّي السارق قويًا، والنزيه ضعيفًا. هكذا تتابعًا، مع انهيار مؤسسات الدولة التقليدية التي كانت مهترئة أصلًا بفعل الحصار والحروب، بات التفاضلُ على أساس الشهرة وكسب المال والوصول إلى مواقع متميزة والحصول على وظائف دون أي معايير قيمية تحكم هذا التنافس، يُحاكي ـ أي هذا التفاضل ـ الحرب بين أفراد المجتمع على طريقة توماس هوبز.

مجالٌ ثالث، يُفترض أن يكون من ضمن أدوات التثقيف والنمذجة التي تقوم بها السلطة أو النخب، خضع هو الآخر لمعايير الشهرة وكسب المال والوصول السريع دون أي قيمٍ ومبادئ تحكم هذه العملية. وأقصد هنا الإعلام، حيث صار "نوع" طريق الوصول إلى الشهرة ليس مهمًا إطلاقًا، بقدر المدة التي يسلكها هذا الطريق، وحجم الناس الذين سوف تصلهم هذه الوسيلة الإعلامية.

هنا، نجد هذا التنافس، الذي لا يأخذ من الفكرة الرأسمالية إلا قشورها العامة، وهو غير منضبط بمؤسسات رقابية، ينسحب على المطاعم والرياضة "الانتقال بين الأندية" والتنافس الوظيفي، والتنافس بين المدونين والكتّاب والمهرجين كذلك في مواقع التواصل الاجتماع، بل بين السياسيين ذاتهم.

الكمُ على حساب الكيف. كم الناس الذي سنصلهم، لا نوعهم، ولا نوع المادة التي نُقدِّمُها لهم. هذا الشعار الأول في التنافس الآن، والذي يجعل المغني الشاب يبحث عن مدى "طشة" أغنيته قبل أن يُقبِل على تسجيلها. الإعلامي يُبارز زميله في أيهما أكثر شعبويةً ووضاعة في التقديم واللغة المبتذلة. إعلاميٌ على خطى البرتقالة. ليُنّتجُ سباقٌ على تسطيح الوعي الاجتماعي بالنزول إلى مستوى المُشاهد البسيط لا الصعود بمستواه إلى حيث يُفترض في بلد ديمقراطي!

 ذلك مسارٌ لنظام المحاصصة الطائفية القائم على استجداء عواطف الناس المذهبية والقومية القاتلة غير العقلانية.

تَشعبَ الحديثُ وُيمكن التشعب أكثر في حالة "الفوضى" ولا شيء أكثر دقة بوصفها. الحالةُ التي هي الأعم، والمسلسلات هي فرع بسيط منها، طالما الغاية كانت حصاد أكبر عددٍ من الناس بغض النظر إن كانوا مدّاحين أم شتّامين. ومن وجهة نظري، أن كُتابَ وممثلي ومخرجي الأعمال التي تتعرض لنقد شديد في مواقع التواصل الاجتماعي فرحون بهذا الإنجاز الذي يُعتبر "طشة" لأعمالهم. أفترض أنهم سعداء بهذا النقد الذي يُوصلُ أعمالهم لأكبر عددٍ حتى لو شُتمتْ أعمالهم أو بُصِقْ في الشاشة التي عُرضت عليها. لا يَهم، المهم والأهم أن العملَ هذا يصل للناس، مثل وصول الماء للبيوت، سواء عبر الأنابيب النظيفة، أو أنابيب الصرف الصحي، فأن الماء سيصل، وهذا المبتغى.

 حالةُ النقد التي تطال العديد من مرضى الشهرة على كافة المستويات، وإن كانت تُحقّق أحلامهم، إلا أنها تُشير لحالة وعيٍ داخل الأوساط الشعبية لا الأكاديمية والنخبوية

في النهاية دعونا ألّا نتشائم كثيرًا، فوصول هؤلاء بمختلف وظائفهم إلى مبتغاهم "الطشة"، عبر طرق وضيعة، لا يعني أنهم باقون ويتمددون. حالةُ النقد التي تطال العديد من مرضى الشهرة على كافة المستويات، وإن كانت تُحقق أحلامهم، إلا أنها تُشير لحالة وعيٍ داخل الأوساط الشعبية لا الأكاديمية والنخبوية، والنقد والوعي في نهاية المطاف سيرميهم في ساحات التاريخ الخلفية، على المستوى الزمني البعيد نسبيًا.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

مساعٍ غربية للهيمنة على فيسبوك العراق.. حديث صناعة الوهم

كيف ساهمت دور النشر بصناعة "كُتاب الرداءة"؟

الكلمات المفتاحية

.

الخطاب الانتخابي في العراق.. انحدار المضمون وضياع الاتجاه

"المتابع بدقة للخطاب الانتخابي الحالي يدرك سريعًا أنه خطاب فقير وهشّ"


انتخابات اقتراع صندوق الانتخابات التصويت.PNG

شيء عن المقاطعة و"تقديس الانتخابات" في العراق

تختلف أي انتخابات في عام ما بعد 2021 عن أي انتخابات سبقتها في العراق


.

كيف يقوّض النائب "المعقّب" البرلمان العراقي وما المطلوب فعله؟

كيف يستعيد مجلس النواب شيئًا من قدرته على توجيه القرار العام؟


.

الرأي العام العراقي بين العاطفة والمبادئ.. قراءة في انتقائية التفاعل

الرأي العام ليس مجرد ردة فعل شعبية

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

الإطار.jpg
أخبار

قيادي في "دولة القانون": اسمان مطروحان لمنصب رئيس الوزراء.. والإطار متجه للتوافق

"المعادلة داخل الإطار التنسيقي تعتبر متشابكة"


.
أخبار

خاص| الاجتماعات بين "البارتي" و"اليكتي" بشأن تشكيل الحكومة ستبدأ خلال أيام

مفاوضات حول "حسم الاستحقاقات"

المجلس السياسي الوطني يعقد اجتماعا في بغداد
سياسة

خاص| اجتماع ثالث للمجلس السياسي الوطني يبحث مرشح رئاسة البرلمان العراقي

القوى السنية ربما تناقش أسماء عدة مطروحة لرئاسة مجلس النواب المقبل

الأكثر قراءة

1
مجتمع

كيف يحدث التشويش على GPS وتطبيقات الخرائط في المنطقة الخضراء وسط بغداد؟


2
سياسة

موزع ماريجوانا في ديترويت.. من هو مبعوث ترامب إلى العراق؟


3
سياسة

مشروع قطاع خاص يتحول لـ"ابتزاز" انتخابي.. مرشح مع السوداني يفصل موظفين لرفضهم انتخابه


4
سياسة

البرلمان يمرر قائمة السفراء المرسلة من السوداني.. حديث عن مخالفات و"إصرار على المحاصصة"


5
اقتصاد

تداعيات كارثية داخليًا وهزة قصيرة بالسوق العالمية.. خبير يفصّل في سيناريو "تصفير صادرات النفط العراقي"