مثقف الطائفة: فرانكشتاين آخر في بغداد
22 فبراير 2026
في جلسة نقاشية متخيلة عن دور المثقف، من الطبيعي أن تسمع اختلافات كبيرة ونقاشات حادة بين المفكرين، خذ مثلًا: سيجادلك غرامشي حول مثقفه العضوي ووظيفته التاريخية في عبور الطبقة العاملة نحو المجتمع الشيوعي، أما فوكو فسيحدثك عن مثقف نوعي يستهدف كشف هياكل السلطة في منطقة اشتغاله، الى جانب هابرماس وهو يراهن على مثقف يضع حماية الفضاء العمومي كأولوية، وربما ستشعر ببعض الحماس الثوري عند سارتر وإدوارد سعيد ونقاشهما عن أخلاقيات ذلك المثقف وموقفه من الاستعمار. وكلها تصورات تفترض أدوارًا ووظائف مختلفة، تتقارب وتتباعد في كثير من النقاط، ولكن لن تجد من يفترض أن ينطلق المثقف من عصبيته للجماعة.
مثقف الطائفة سيكون من حيث الوظيفة أشبه بمداحي شيوخ العشائر في أيامنا هذه
ولأن بلادنا توقفت عن التفكير تقريبًا، منذ اندثار المعتزلة، فمن المعيب أن لا يكون لنا رأي في هذا النقاش، خاصة بعد كل هذا السبات الطويل الذي يتجاوز ألف سنة. وتجنبًا لإحراج أن نختفي عن المشهد البشري كل هذه المدة السحيقة، استعانت بعض الأوساط العراقية بشيءٍ من العقلية البريمرية، الممزوجة بما ورثناه من أمراض الاستبداد الذي خلفه صدام حسين، مع بعض من العصبيات القبلية، لنصل أخيرًا إلى سك مفهوم "مثقف الطائفة" كفكرة جديدة، وعراقية (أورجينال) أيضًا، لنباهي بها الأمم ومفكريها الحاضرين في جلستنا الافتراضية هذه.
ويعني فيما يعنيه "مثقف الطائفة"، التماهي مع سوق السياسة، وهو ما يستوجب استعارة بعض صفات النابض الحلزوني - أي أن يكون وطنيًا مرة وطائفيًا عند الحاجة، فمن غير المعقول أن تبقى الطائفة بلا أعداء في وقت يحتاج فيه السياسي إلى جرعة هستيريا جماعية، ولا يهم هنا إن كان هؤلاء الأعداء حقيقيين أم متخيلين. الأمر الذي يُحَتّم الاستعانة ببعض سمات شاعر القبيلة، أو حامل رايتها: صوته العالي، مفرداته الحادة، والأهم عصبيته القبلية.
بهذه المواصفات يمكن أن نتخيل صورة "مثقف الطائفة" إذ سيكون من حيث الوظيفة أشبه بمداحي شيوخ العشائر في أيامنا هذه، حيث ينتهي كل نقاش بشتيمة أو تهديد، وفي السياق ستكون "الدگة" ثقافية -أو بالرصاص إن اقتضت الضرورة- وعلى المتضرر أن يلجأ الى القانون، مع أنه سيصطدم بأولويات حكومية تلاحق أفخاذ الفاشينستات وفق قانون المحتوى الهابط، وتدقق سير خطيبات منتسبي أجهزة الأمن، بدل تطبيق التشريعات الخاصة بتجريم الطائفية.
أما من حيث الشكل، فسيبقى "مثقف الطائفة" كائنًا هلاميًا غير مفهوم على وجه الدقة، فهو يحمل راية الطائفة من جهة، ويمارس وظيفة المثقف من جهة ثانية، ولكن بأي طريقة يمكن أن تجتمع مكونات متناقضة في شيء واحد؟ (هل يذكرنا هذا بوحش فرانكشتاين؟) ربما، لأنه كفر بواح بأبسط البديهيات؛ ذلك أن الطائفة مفهوم ديني، ومع أن له أبعاد ثقافية واجتماعية، ولكنه، مع ذلك، يبقى مفهومًا دينيًا في الأصل. وهنا تكمن المشكلة، فالدين مقدس، والمقدس إقصائي بالضرورة، لأنه غير قابل للنقاش، فكيف سيستقيم جمع كل هذا في كائن يريد أن يحتفظ بصفته ووظيفته كمثقف يتعاطى مع الشأن العام بكل إشكالياته دون أن يتحول إلى هتلر جديد؟.
إنْ كان هناك ما يستلزم الدفاع عن طائفة أو جماعة تعيش ظلامة تاريخية مستمرة، فهذا لن يبرر أن يرتدي المثقف ثوب الطائفة ليدافع عن هؤلاء المضطهدين، بل لن يكون بحاجة لهذا الثوب أصلًا إذا خلع نظاراته الطائفية ليرى أن هؤلاء المضطهدين مواطنين، وأن الانطلاق من هويتهم الفرعية لن يضيف إلى حقهم شي ولن يسلب شرعية الدفاع عنهم أي شيء، سوى أن نقدح نار حرب لا تنتمي لمفاهيم الدولة الحديثة.
قبالة أعداء حقيقيين، مثل حاملي الفكر التكفيري أو البعثي الفاشي، لا تستلزم وظيفة المثقف الانطلاق من هوية فرعية لبناء موقف من هؤلاء الأعداء، لأن دور المثقف يتجاوز دور "المهوال" إلى أدوار أكبر وأخطر، وهي نتيجة موضوعية لاختلاف طبيعة الأولويات مقارنة بـ "المهاويل" فعلى خلاف الأخير المرتبط بـ "جماعته"، ينطلق المثقف من "أنا" وطنية جامعة غير مرتبطة بمصالح "الجماعات" كأولوية، لكي يتجاوز فخ السقوط في إعادة تعريف المجتمع بوصفه مجموعة هويات فرعية مشحونة سياسياً وجاهزة للاستدعاء والتجييش حسب الحاجة، والتي قد تصل في سلوكها الإقصائي ما وصلته الآيدليوجيات الفاشية.
ولكي لا يتحول هو -المثقف- إلى مجرد "مهوال"، أفترض أن عليه تغيير أولوياته نحو قضايا تشتبك مع "هوية" تعبر عن مصالح راهنة لهذه الـ"أنا" الوطنية ومستقبلها وماضيها وتحدياتها الوجودية، باعتبار هذه الـ"أنا" إحدى محركات "أمة المواطنين"، إلى جانب قيم وتصورات عن "الدولة" بوصفها وعاء هذه "الأنا" وهذه "الأمة"، والحارس الحقيقي لمصالح الأفراد وهم نيّام، بصرف النظر عن انتماءاتهم، وليس بوصفها مرعى تتنازع فيه الجماعات على الماء والكلئ، كما يتصور مثقفو الطوائف.
قبل الاعتراف أن الهويات الفرعية لا يجب أن ينظر لها كرأسمال سياسي أو آيديولوجي قابل للتوظيف، وقبل الإقرار أن المجتمع مكون من أفراد متساوين تنظم العلاقة فيه أفقيًا وعموديًا على أساس المواطنة، وإن هذا الإعتراف والإقرار غير قابل للإلغاء حسب المصلحة، قبل كل ذلك، يمكن للمثقف أن يكون "مثقفة طائفة"، ولكنه لن يكون أكثر من ضابط علاقات عامة، أو موظف في جهاز دعائي، أو مجرد داعية أو مبشر، وما شاكل، وهي وظائف محترمة طبعاً، ولكن، أيضًا، لن يكون أقل خطورة من وحش فرانكشتاين على المجتمع وعلى هوياته الثقافية كذلك.
الكلمات المفتاحية
منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة
أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي