شعرة معاوية في الوجه الآخر للإطار التنسيقي
25 ديسمبر 2025
كتبت معظم أفكار هذا المقال قبل عاصفة "نزع السلاح" والبيانات المتزامنة التي دعت إلى حصر السلاح بيد الدولة، وما تبعها من تعليقات تحليلية أو ساخرة. لذا، فإن وجهة النظر التي أُقدمها تبلورت مع السنوات، خصوصًا الثلاث الأخيرة، ولم يسع الوقت لنشرها بعد انتخابات البرلمان الأخيرة. وها أنذا أنشرها بعجالة.
الإطار التنسيقي فاق حجمه وعاد إلى وضعه أيام الاحتلال
من يعتقد أن تغيير رئيس الحكومة في العراق، أو عدم تكليف شخصية معينة، سيؤدي إلى خلل جذري؛ فهو إما لا يفهم وضع العراق وجينات القوى السياسية، أو له مآرب (قل أجندة) أخرى. لا يعني ذلك أن الأشخاص الشاغلين لمواقع عُليا في البلاد غير مؤثرين. بالطبع، تتجلى تأثيراتهم على أصعدة كثيرة، من بينها تأثيرات الاقتصاد بحدّه المتوسط، أي ليس الاستراتيجي، وتأثيرات الأوزان الحزبية، والانحيازات الشخصية نحو الإقليم، والقرارات الأمنية والوظيفية، نسبة الفساد، مقدار حرية التعبير، وغيرها الكثير. لكن – مرة أخرى – لن (أو لم) يغير المسؤول لوحده من توجّه النظام أو موقف الدول الأجنبية والمحيطة اتجاهه تغيّرًا معاكسًا.
لقد أثبت الإطار التنسيقي حتى الآن أنه مثل اسمه بل وأكبر حجماً. والأهم: أثبت أنه مرن بما يكفي عند الخطر. عادت قوى الإطار تدريجيًا إلى حالتها الطبيعية في لحظة الاحتلال (أو التحرير بمصطلحاتها آنذاك، أو يوم الفرح كما أطلق عليه رئيس حكومة الإطار محمد السوداني) - قوى تريد الحُكم، ولا مشكلة أخرى أهم من ذلك.
على الصعيد الدولي والإقليمي كانت السنوات الأخيرة مثالًا على مرونة الإطار التنسيقي في الخضوع للأوامر والخطوط الحمراء. تندر معلقون كثيرًا على زيارات السفيرة الأميركية السابقة إلى قادة الإطار بشكل دوري يوحي بطبيعة تفقّدية. تَوضّحت المواقف أكثر بعد عملية طوفان الأقصى وحرب الإبادة الإسرائيلية، والحرب الإسرائيلية - الإيرانية، وتوّجت بمؤتمر شرم الشيخ. كان حضور السوداني في صفقة "سلام" مع الاحتلال الإسرائيلي برئاسة دونالد ترامب (الذي قتل "قادة النصر") لحظة فارقة وغير مسبوقة في تاريخنا. لقد حجز العراق الرسمي (الذي هو عراق الإطار) مقعدًا إلى جانب "دول الاعتدال" في كل مواقفه الرسمية خلال سنتي الحرب في الشرق الأوسط، وأنهى – بخفة يد – التصرفات الفردية التي حاولت إثبات أن موقف العراق من موقف "محور المقاومة"، أو للدقة: موقف الساحتين اللبنانية واليمنية، اللتين انخرطتا في معارك "إسناد" لقطاع غزة وحركة "حماس". وبرهن الإطار التنسيقي أنه ليس كما يظهر في الإعلام: مجموعة مسلحين ببزات عسكرية يريدون مقاتلة الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا ودول الخليج. وإلى ما قبل الانتخابات، وبدل تفعيل خطاب إخراج القوات الأميركية الموسمي، في ذروة الدعاية والمزايدات، برهن مداهنته بسحب قانون الحشـد الشعبي من مجلس النواب قبل التصويت عليه، تحت ضغط الولايات المتحدة، على الرغم من الدعاية التحشيدية للقانون (التي انقلبت سلبًا)، ودون مبررات مخادعة.
بالتزامن، على الجانب الاقتصادي، الوسيلة الأمثل لإغواء ترامب، الذي رشّحه رئيس حكومة الإطار لجائزة نوبل، فُتحت الأبواب مشرعة للشركات الأميركية للعمل خصوصًا في قطاع الطاقة، مع آراء نقدية حول نوع الاستثمار الذي تقدمه حكومة السوداني/الإطار لتلك الشركات. مؤخرًا، وجهت وزارة النفط دعوة "حصرية ومباشرة" إلى الشركات الأميركية، للحلول محل الشركة الروسية في البصرة، التي عانت بفعل عقوبات واشنطن.
كان موقف العراق الرسمي من فلسطين وحرب غزة كموقف ما تسمى بدول الاعتدال
على مستوى دول الخليج والجوار، أيضًا، يمكن مراجعة الأرقام المتعلقة بـ"المشاريع" التي تُمنح للشركات، والاستيراد ومقداره ونوعه، وصولًا إلى الاتفاقية المائية التي وقعتها حكومة السوداني مع تركيا، والتي قد "تعرض سيادة" العراق للخطر، وربما تضع العراق في "قبضة" تركيا قريبًا، كما تتوقع باحثة من واشنطن.
الموقف من سوريا لا يُصدّقه الموهومون. دع عنك ما يُباع للأتباع والإعلام. اتخذت حكومة الإطار التنسيقي وقواه المسلحة الرسمية وغير الرسمية موقف المتفرج على نظام بشار الأسد وهو ينهار سريعًا أمام فصائل المعارضة السورية المسلحة. ومن ثم شرعت بالتعاون الأمني المعلن وسارعت باجتماعات تبحث التعاون الاقتصادي، وأرسلت أطنانًا من القمح كـ"هدايا"، مع اعتراف سياسي كامل بالنظام الجديد، الذي يوصف بأقذع الأوصاف في بعض وسائل الإعلام التابعة لقوى سياسية ومسلحة داخل الإطار التنسيقي.
هكذا يظهر الإطار في مواقفه: وجهٌ يحرّم بوس اللحى، كما يسوّق نفسه محليًا، ووجهٌ فيه شعرة معاوية التي لا تنقطع، كما يُظهر عمليًا: يستجيب لكل الضغوط، ويقدم كل ما يستطيع، إذا تهددت مصالحه، أو تهدد نظامه.
محلياً، ما يزال الإطارُ التنسيقي يشاغب بعض القوى السنية والكردية، لكن دون (كسر عظم). ها هو محمد الحلبوسي عاد منتصرًا في الانتخابات رغم (جرة الإذن القضائية). ورواتب الإقليم الكردي راوحت بين السِلف والاتفاق الأخير الذي عقدته حكومة بغداد مع حكومة كردستان. كان قصف حقل كورمور استثناء يُذكّر بأيام حكومة مصطفى الكاظمي، وقد أدانته كل قوى الإطار.
الإطار، وجهٌ يجرّم بوس اللحى وآخر فيه شعرة معاوية
حزمة تمظهرات في الشأن المحلي تؤشر مرونة الإطار، بل وإمكانيته السياسية على الاستجابة للتحديات المباشرة والمحددة. من أبرزها شهرةً قضية التنصت. ما قيل في وسائل الإعلام حتى من أعضاء في قوى الإطار كان سيعني في مكان آخر انهيار الحكومة، إن لم يكن الحدث أكبر. وانتقلت القضية إلى القضاء ومجلس النواب، ثم اختفت دون رجعة حتى من الإعلام. احتوى الإطار فضيحة كبرى كما صُورت من قبل المعلقين السياسيين. ومن أبرز الأحداث الاستثنائية الاشتباكات المسلحة في الدورة، وانتهت بهدوء. لكن أقلها شهرةً هي سماح قوى الإطار وجماعاته المسلحة باستخدام مدونين ووسائل إعلام ومشاهير، بالإيجار، لمهاجمة بعضهم، في الوقت الذي تُمدح حكومتهم ورئيسها. هذه حركة سياسية ماهرة انتصر فيها الإطار على كل فكرة المعارضة، وعلينا جميعًا بالضرورة. وباستغلال كل المعطيات والمستجدات والهيمنة على الحكومة والبرلمان والقرار السياسي، والوضع النفسي الناجم عن الأحداث الإقليمية، وجّهوا لـ"المدنيين" ضربة حاسمة أسقطتهم أرضًا في الانتخابات الأخيرة.
فكرةُ أن تُشكّل حكومةً تموّل إعلامًا يُهاجِمكَ ويمجدُها، فتستفيد أنت وحكومتك ونظامك، فكرةٌ تستحق التوقف عندها والاعتراف بنجاعتها. ربما لن تتكرر بنفس المشهدية لاختلاف الحالة بين مرحلة ما بعد خسارة انتخابات 2021 والصدامات مع الصدريين ونقص الشرعية، ومرحلة الفوز بانتخابات 2025 وكسب المزيد من الاعتراف الدولي.
هناك من نصفهم باللهجة العراقية بـ"الحبّابين" ضمن الإطار التنسيقي، انتظروا هذه اللحظة بفارغ الصبر: لحظة أن لا نزعج أحدًا، وترضى عنّا أميركا وإيران والجوار في الوقت نفسه. إنهم سلالة تمتد إلى فترات المعارضة في لندن وواشنطن، أيام النضال كتفًا بكتف مع المحافظين الجدد. ولا إشكال إن طابق مسعاهَم خطابُهم وعملُهم. لكن المفاجئ هو الطرف الآخر: أقصى المتشددين. أولئك الذين اعتبروا السنوات الثلاث للسوداني هي شكل الحكم الشيعي الحقيقي. فإذا كان أقصى المتشددين يرى كل ما ذكرنا – باختصار مخلٍ – نموذجًا للحكم المرتجى، فممن يخاف الخائفون على النظام؟.
تجاوز الإطار التنسيقي أزمات كثيرة وحقق حلم الحمائم بإرضاء كل الخارج
ليس جديدًا القول، ألّا ثابت في السياسة. المتغيرات واردة، خصوصًا مع المستجدات. لذلك، أقول، وبعد كل هذا، يواجه "الاستقرار الإطاري" خطرين على المستوى المنظور القريب:
1- أن يخرج المارد المعنوي (المسلح) من القمقم ويهشم الزجاجة، على قول الجعفري. وهذا مرتبط بالإرادة الإقليمية والدولية إلى حد كبير، من مختلف اتجاهاتها. والآن – أضيف على المقال – تطورات قضية حصر السلاح ونوع الاستجابة لذلك.
2- الوضع الاقتصادي. وهذا مرتبط بالبذخ المتهور الذي حصل في السنوات الثلاث. فاستمراره لدورة أخرى كارثة محققة، وإصلاحه سيضر بشرائح إما اجتماعية أو سياسية. وبالتأكيد مرتبط بأسعار النفط التي تتأثر بالأوضاع العالمية. رأينا السوداني يناقش تقليص الإنفاق الحكومي 3 مرات خلال أسبوع، ويعلن عن قرارات كبيرة، على الرغم من تحوّل حكومته لتصريف الأعمال اليومية، وحراك تشكيل الحكومة، وجلسة البرلمان القريبة. يرتبط ذلك بالاعتراف – وأخيرًا – بالسياسات الاقتصادية الخاطئة لحكومة الإطار ومنهاجه/ا في كسب الشارع، وبدء النقاش علنًا في الأزمة الاقتصادية المقبلة وطرق معالجتها بعد 3 سنوات من الطمطمة والتطمينات. والحديث هنا عن القطاع الاقتصادي البحت، وليس احتمالية فرض عقوبات اقتصادية أميركية، فهذه ستنهي النظام قبل أن يبدأ النقاش.
بشكل عام، أثبتت قوى الإطار التنسيقي أنها قادرة على الاستجابة لكل الضغوط بمرونة، وربما القفز بين الأحضان، كما فعلت قبل 2003 وخلالها وبعدها. وهي تجتهد منذ سنوات لصناعة رأي لدى الخارج المؤثر بأنها "مفيدة" للآخرين. وهذه ميّزات لا تتلاءم مع التنبؤات المكررة منذ عقد – بإسفاف وخفّة – بقرب غزو عسكري آخر يطيح بالنظام السياسي العراقي. ولهذا بالذات، سخرنا من كل تلك التنبؤات.
السلاح والاقتصاد يهددان مستقبل الإطار التنسيقي
ختامًا، لا بد من القول إن ما كُتب أعلاه لا يعني أننا نختلف في الرأي مع كل مواقف قوى الإطار التنسيقي السياسية، أو نتفق معها كلها. نؤمن أن مصالح الناس هي الهدف الأسمى للمسؤول، وأرواحهم أقدس من أي شعار، وأن فن الممكن شرط هذا المجال؛ لكننا نختلف مع النفاق، والانتهازية، مع الخفّة السياسية، وتخوين الآخرين على أفعال يُفعل ضعفها، ومع رهن الموقف المبدئي واستخدام السلاح وصناعة الاضطرابات بموقعنا من السلطة.
الكلمات المفتاحية
منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة
أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي
بعد نقل آلاف الدواعش.. اجتماع رفيع لتحليل الوضع الأمني في العراق
شهدت قيادة العمليات المشتركة اجتماعًا رفيعًا لتحليل الوضع الأمني في العراق ومراجعة إجراءات حماية السجون بعد نقل الآلاف من المعتقلين من عناصر تنظيم "داعش" القادمين من سوريا
خطة رمضان في بغداد 2026: إجراءات تشمل مراقبة الأسعار أيضًا
أعلنت قيادة العمليات إعداد خطة رمضان في بغداد بشكل "متكامل" بما يضمن تأمين العاصمة وأماكنها العامة ودور العبادة والمجمعات التجارية والمطاعم والمتنزهات وحدائق الألعاب خلال الشهر المقبل
مهاجم يغيب بسبب "فيزا" الإمارات.. هجوم الزوراء يعاني قبل مواجهة الوصل
مباراة الزوراء والوصل في دوري أبطال آسيا