رمضان في العراق.. ماذا تبقى من التراث والموروث الشعبي؟
17 فبراير 2026
خلال المئة عام الأخيرة، تشكّل حول شهر رمضان في العراق موروث اجتماعي وثقافي غني، بعضه حافظ على جوهره مع تغيّر الأشكال، وبعضه تراجع أو اندثر إثر التحولات الاجتماعية والسياسية وتأثيرات الحروب والظروف الاقتصادية.
الموروث الرمضاني الكلاسيكي
وفي مدن مثل بغداد والنجف وكربلاء والموصل والبصرة، ارتبط رمضان في العراق تاريخيًا بثلاث دوائر رئيسية: العبادات الجماعية، موائد الإفطار، والحياة الليلية الشعبية، إذ كانت المساجد والجوامع، إضافة إلى العتبات في كربلاء والنجف، فضاءات رئيسية لصلاة التراويح، وختم القرآن، والمجالس الدينية.
يرتبط الموروث الشعبي لرمضان في العرلاق بأقدم الحضارات التي سادت على أرض الرافدين منذ أقدم العصور البشرية
اجتماعيًا، تبلورت مائدة الإفطار العراقية التقليدية: تمر ومشروب اللبن البارد وحساء العدس، يليها طبق رئيسي من الرز والمرق "تشريب، بامية، فاصوليا"، وفي حالات أفضل وجبات اللحوم: "القوزي والدولمة والكباب وأنواع الكبة (الموصلية، الحلبية، بالبرغل)"، مع حلويات مثل الزلابية والبقلاوة والكليجة التي تُعدّ مسبقاً قبيل الموسم.

كما برزت شخصية المسحراتي أو "أبو الطبل" الذي يجوب الأزقة قبيل السحور بطبلته وأهازيجه لإيقاظ الناس، إضافة إلى ألعاب ليلية رجالية مثل لعبة "المحيبس" التي اعتمدت على إخفاء خاتم في يد أحد أفراد الفريق، وتحوّلت إلى مسابقات حيّة بين محلات بغداد، حتى وصفتها تقارير ميدانية في الستينيات والسبعينيات بأنها واحدة من أبرز طقوس ليالي رمضان البغدادية.
رسّخت هذه الدوائر رئيسية من الموروث الشعبي صورة جماعية لرمضان في العراق بوصفه "فضاء للكرم وتبادل الأطباق بين الجيران والأقارب"، وفرصة للتجمعات الترفيهية والروحانية، كما يؤكّد مختصون.
ويقول الكاتب في الأدب والموروث الشعبي العراقي عادل العرداوي لـ "الترا عراق"، إنّ "الفولكلور والعادات والتقاليد والأمثال الشعبية والأغاني والأشعار الشعبية والصناعات التقليدية اليدوية، إلى جانب الأكلات العراقية المتنوعة، وممارسات اجتماعية عديدة ومنها موروثات وطقوس شهر رمضان المعظم، كل هذه تشكل نماذج من الموروث الشعبي العراقي التي يجب على أجيالنا الشابة والمقبلة أن تكون على معرفة ودراية بعمقها".
ويضيف العرداوي، أنّ "هذا التراث وجذوره تمتد إلى أقدم الحضارات التي سادت على أرض الرافدين منذ أقدم العصور البشرية، وهي جديرة بالحفظ والتوثيق والدراسة"، مشيرًا إلى أهمية أن "تدخل هذه الموروثات ضمن الدراسات الأولية والأكاديمية العراقية، أسوة بدول ومجتمعات العالم الأخرى التي حافظت على موروثها ووثقته وحفظته وقدمته للأجيال الجديدة بصورة مشوقة وجذابة".
الحروب والحصار
مخاوف العرداوي تستند إلى ما خلفته الأحداث العاصفة التي شهدها العراق منذ سبعينيات القرن الماضي، إذ أعادت الحروب وحقبة الحصار الخانقة إعادة تشكيل ملامح رمضان إلى شكل آخر مرتبط بالحرمان والضيق، حيث تقلّصت مظاهر الإنفاق على الموائد الكبيرة، وتراجعت قدرة الأسر على تجهيز أصناف متعددة، لكن بقيت الهيكلية العامة لمائدة الإفطار كما هي مع تقليل الكميات وتكييف الوصفات مع المواد المتوفرة.

الألعاب الليلية والتجمّعات في المقاهي تأثرت أيضًا بظروف الأمن والانقطاع المستمر للكهرباء، ما قلل السهرات العامة في بعض الفترات، لكنها لم تختف تمامًا؛ فالمحيبس، على سبيل المثال، استمر في بعض الأحياء بدرجة أقل، بينما تقلّص حضور المسحراتي في بعض المدن بسبب غياب الأمان ليلاً.
العرداوي: لابد من إدراج هذه الموروثات ضمن الدراسات الأولية والأكاديمية العراقية أسوة بدول ومجتمعات العالم الأخرى التي حافظت على موروثها وحفظته للأجيال الجديدة
في المقابل، برزت في هذه الفترة أشكال من التضامن الديني والاجتماعي عبر موائد الإفطار الجماعية التي تُنظّم عند المساجد والحسينيات والعتبات، وتوزيع وجبات الإفطار للفقراء والمتعففين، في امتداد لتقليد عراقي أقدم في إطعام الطعام في المواسم الدينية (الموروث الذي يبرز بوضوح أيضًا في مواسم عاشوراء وأربعينية الإمام الحسين).
ما بعد صدام حسين
بعد 2003، ومع توسع المدن وعودة نسبية للحياة المدنية في بعض الفترات، ظهرت أشكال جديدة من الممارسات الرمضانية في العراق، حيث تمتلئ الشوارع والأسواق، مثل شارع المتنبي والكاظمية، بالزوار بعد الإفطار، وتقام أمسيات ثقافية وشعرية وموسيقية، ما يدمج الموروث الديني مع حركية ثقافية حضرية حديثة.
كما انتشرت كذلك فكرة "الخيم الرمضانية" أو الأمسيات الخاصة في المطاعم والمقاهي، مستلهمة من التجربة العربية الأوسع، مع تقديم أطباق تراثية وموسيقى وفقرات فنية، وهو تطور لم يكن موجودًا بهذه الصورة قبل عقود. كما تزايد تأثير الفضائيات والمسلسلات الرمضانية، فصار جزء من الجو الرمضاني مرتبطًا بجلسات العائلة أمام التلفاز بعد الإفطار.

في الوقت نفسه، بقيت ممارسات تقليدية مثل "ماجينة" أو "كركيعان/كرگيعان" في البصرة، بما يشبه "القرقيعان"، حيث يجوب الأطفال الأزقة ليلاً مرددين أغانٍ شعبية مقابل الحلويات والنقود، وإن تأثرت بدرجات متفاوتة بالظروف الأمنية في بعض السنوات.
ماذا بقي من موروث رمضان في العراق؟
في السنوات العشر الأخيرة، شهدت البلاد تحولاً إلى مرحلة مستقرة أمنيًا مع استمرار الاضطرابات السياسية والاقتصادية. وعلى الرغم من ذلك تحافظ العوائل والمكونات الاجتماعية العراقية على أبرز مقومات الموروث الرمضاني المتمثلة بمركزية الأسرة في الإفطار، والعبادات الجماعية، والتجمعات والزيارات المتبادلة.
إلى جانب ذلك، ما تزال الأحياء الشعبية في المدن والبلدات الكبرى تشهد حضورًا لـ "المسحراتي/أبو الطبل"، لكن مع تحول هذه الحضور من الدور الأساسي (الإيقاظ، أو التنبيه لوقت السحور) إلى دور آخر ترفيهي موجه للأطفال بشكل خاص. كما تشهد حضورًا أيضًا للألعاب الشعبية الأبرز (المحيبس).

وفي هذا السياق، تحدث العرداوي لـ "الترا عراق"، عن موروثات العيد أيضًا، مستذكرًا الساحات العامة التي كانت محط "المراجيح المربوطة بجذوع النخيل"، ودولاب الهواء الخشبي، ولعبة "اللگو"، وحلاوة "المكاوية"، والعربات التي تجرها الخيول لمسافات محددة ومعينة بسعر 10 فلوس فقط، وبائع "الدوندرمة وأم المصاصة وأم الطابوگة"، والعيدية بالعملة النقدية الحديدية "الفلس والفلسين والعانة والعشرة والقران والدرهم وأبو المية والربع دينار"، والتي لم يعد لها أثر.
ويحذر العرداوي، من أنّ هذه الطقوس والموروثات اختفت بفعل الحداثة، وهو المصير الذي سيواجه ما تبقى من عادات العراقيين لهذه المناسبات خلال السنوات المقبلة، في حال عدم الاهتمام بالموروث الشعبي بشكل مدروس.
الكلمات المفتاحية
الإعلام والاتصالات تصدر توضيحًا حول مسلسل "حمدية": تضليل ومعلومات غير دقيقة
قالت إنها شاهدت 10 حلقات منها قبل بثها ولا وجود لأي مخالفات قانونية فيها
خطة رمضان في بغداد 2026: إجراءات تشمل مراقبة الأسعار أيضًا
أعلنت قيادة العمليات إعداد خطة رمضان في بغداد بشكل "متكامل" بما يضمن تأمين العاصمة وأماكنها العامة ودور العبادة والمجمعات التجارية والمطاعم والمتنزهات وحدائق الألعاب خلال الشهر المقبل
بعد انقضاء عطلة نصف السنة.. 12 مليون طالب يستأنفون دوام المدارس
قالت التربية إن المدارس غير مشمولة بتقليص ساعات الدوام خلال شهر رمضان
منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة
أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي
يضم دول المنطقة وأوروبا.. العراق يدعو إلى حلف دبلوماسي لوقف الحرب
دعا العراق إلى تأسيس تحالف دبلوماسي يضم دول المنطقة ودول الاتحاد الأوروبي، بهدف الإيقاف الفوري للحرب، كما دعا الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إصدار قرار بإيقاف الحرب، وطالب مجلس الأمن بتحمل بمهامه ومسؤولياته لضمان السلم والأمن الدوليين
السوداني: أتقدم إلى مجتبى خامنئي بالتهنئة.. والعراق يقف إلى جانب إيران
أصدر محمد شياع السوداني بيان تهنئة بمناسبة انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا للجمهورية الإسلامية في إيران خلفًا لوالده علي خامنئي الذي اغتيل في اللحظات الأولى من العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران
نوري المالكي يدعو إلى "تحصين الجبهة الداخلية" في العراق
دعا نوري المالكي، إلى تحصين الجبهة الداخلية بما يسهم في دعم "الاستقرار السياسي" وانتظام عمل مؤسسات الدولة خلال المرحلة المقبلة