ultracheck
رأي

بروتستانت التيّار الصدري

5 مايو 2019
صدريون_1.jpg
خلقت الاحتجاجات سلوكًا مغايرًا لدى أبناء التيار الصدري بعد أن اندمجوا في المطالب الوطنية أكثر من الفئوية (Getty)
علي رياض
علي رياضشاعر من العراق

في القرن السادس عشر، كانت النخبة المسيحية الواعية، قد وصلت إلى نتيجة قاطعة، أن سلطة البابا والكنيسة على الدولة خرجت عن الحد المقبول بسبب سلوكيات مرفوضة على رأسها بيع المناصب باسم الكنيسة ومحاكم التفتيش وصكوك الغفران، وصار يلزم هذه الديانة حركة إصلاحية تنتشلها من الاستهجان الشعبي، وتصنع منها واجهة فكرية أفضل.

فاتجهت هذه النخبة لكتابة عدد من التعاليم الإصلاحية اجتمعت في النهاية تحت مسمى البروتستانتية، وكان على رأس هؤلاء المصلحين، الراهب الألماني مارتن لوثر والكاهن والمفكر الفرنسي جون كالفن. ليقود ذلك إلى سلسلة إصلاحات دينية في مناطق واسعة من أوروبا، تمخضت في النهاية عن عزل سلطة الدولة عن البابا، والتمهيد لعصر التنوير بعد قرنين من ذلك.

هناك فئة منظورة من الصدريين قرّرت مقاطعة الانتخابات النيابية، رغم توجيه زعيمهم الصدر بالمشاركة فيها إضافة إلى أنها صارت تجاري الأوساط العلمانية وبدأت تخوض في المقاهي نقاشات حول الفلسفة والفكر السياسي

في عراق ما بعد 2003، ظهرت عدة توجهات سياسية بعد انتهاء السلطة الشمولية لحزب البعث، ساعد العرف الدستوري الذي اتفق عليه مجلس الحكم والسلطة المدنية للاحتلال الأميركي المتمثلة ببول بريمر، إضافة لعوامل عديدة أخرى داخلية وخارجية، بجعل بقعة الضوء مسلّطة على التوجهات الشيعية، التي تنافس جميع أطرافها على منصب رئاسة الوزراء، المحتكر لها طائفيًا.

اقرأ/ي أيضًا: الصدريون في سلامهم وحروبهم.. من الثورة إلى سائرون

وكان الوسط السياسي الشيعي ينقسم بشكل رئيسي آنذاك، إلى: حزب الدعوة، والمجلس الأعلى، والتيار الصدري. ورغم الغلبة الجماهيرية للتيار الصدري، إلا أنه فشل في تحقيق سبق نيابي في جميع الدورات الانتخابية ما قبل عام 2018، لانشغاله في السنوات الأولى من الاحتلال بالمقاومة المسلحة، ثم الانخراط بالحرب الأهلية، وإعادة ترتيب الأوراق في السنوات التي تلت ذلك.

بعد عام 2014، وهو عام دخول تنظيم "داعش" إلى العراق، خرج زعيم التيار الصدري، بتوجهات ذات محمول وطني، منددة بالطائفية ونظامها المحاصصاتي داخل السلطة التشريعية، ليكون جزءًا رئيسيًا وغالبًا على حركة الاحتجاجات المدفوعة من قبل تيارات علمانية، والمستمرة بشكل متقطع منذ العام 2010، ومنذ ذلك الحين، توقع العديد من المحللين أن يحقّق التيار الصدري أغلبية نيابية في البرلمان في انتخابات عام 2018، وهو الذي حدث فعلًا. لكن الأمر الآخر، الذي كان يحدث داخل التيار الذي يضم عدة ملايين من الأتباع، وبصوت خافت، هو انقلاب التوجهات الصدرية المتشددة والمتزمتة والمقادة بشكل مطلق من قبل زعيمهم الصدر.

وصارت هذه التغيرات أكثر وضوحًا في الأشهر القليلة التي سبقت الانتخابات، حتى هذه اللحظة، إذ كان هناك فئة منظورة من الصدريين قرّرت مقاطعة الانتخابات النيابية، رغم توجيه زعيمهم الصدر، بالمشاركة فيها. كما أن الأصوات العالية التي بدأت تعارض توجهات تحالف سائرون الذي يشكل النواب الصدريون فيه 52 نائبًا من مجموع 54 نائبًا، بدأت تنقل صورة أوضح عن التوجه الجديد الذي تنتشر شعبيته بشكل رئيسي في المناطق الفقيرة التي تعاني من الكثير من المشاكل الاجتماعية، وتنخفض فيها نسبة الوعي عن غيرها، لقلة المدارس فيها، وكثافتها السكانية العالية.

هذه الطبقة الإصلاحية والتي يشكّل الشباب جوهرها النابض، صارت تجاري الأوساط العلمانية المعروفة بسعة اطلاعها وعلو كعبها المعرفي، وبدأت تخوض في المقاهي نقاشات حول الفلسفة والفكر السياسي، ما يقود في الكثير من الأحيان إلى معارضة توجهات مباشرة لزعيمهم الصدر، دون أن يؤثر ذلك بتبعيتهم المستمرّة لهذا التيار، كما كان يحدث في الإصلاح البروتستانتي الذي لم يغيّر المسيحية بدين آخر، إلا أنه انتفض على عدد من سلبيات الكنيسة، وصار ثاني أكبر شريحة مسيحية في العالم بعد الكاثوليك.

إن المقاربة بين مفهوم الإصلاح، والخارجين جزئيًا عن التيار الصدري بشكله الكلاسيكي، يبررها المزيج الفكري الذي تولد داخل هذه الطبقة، فهي شريحة احتفظت بتوجهات الصدر الوطنية الداعية لمحاربة الاحتلال والحفاظ على الهوية العربية ومواجهة التدخلات الغربية والإقليمية بالشأن الداخلي العراقي، وأضافت لهذه التوجهات المرونة الفكرية التي ربما استقاها البعض من صحبة التيار العلماني خلال حركة الاحتجاجات، إضافة إلى مفهوم الاحتجاج والثورة الذي ثقف هؤلاء ضد التبعية العمياء والإرادات الموجهة عن بعد، لتصبح توجهاتهم أكثر قربًا من الشارع، وأكثر واقعية من بعض الطروحات الصدرية الطوباوية.

وتعد الانتقادات التي توجهها الآن هذه الشريحة لسلسلة الوصايا التي ينشرها زعيمهم الصدر على وسائل التواصل الاجتماعي، تحت مسمى "الآفات"، أكبر دليل على ذلك، فهم بعد أن التمسوا بهذه "الآفات" ما يقيّد الحريات ويوجه تحالف سائرون بعيدًا عن برنامجه الانتخابي المتمثل بـ"الإصلاح"، صاروا يهاجمون الصدر والكتلة النيابية بلغتين مختلفتين، الأولى لغة المحب المعاتب، والثانية لغة صاحب الحق المطالب.

فيما تعد اهتماماتهم بالشأنين السياسيين العربي والعالمي، صورة أخرى عن ارتفاع مستوى الوعي السياسي والثقافي لدى هذه الفئة، التي إن أردتَ العثور على أفرادها فابحث عن تنسيقيات الاحتجاجات في وسط وجنوب العراق، ستجدهم يتباحثون ويدرسون ويخططون، لأي رد شعبي مطلوب، متناسين في بعض الأحيان، أنهم كانوا لا يفعلون شيئًا قبل أن يستلموا توجيهًا من زعيمهم الصدر، ليُقبلوا عليه.

طالب الصدر أن يتم تخصيص 90 دقيقة يوميًا للقراءة، وهي ساعة ونصف يعرف جيدًا أنها ستخلق داخل تياره جيشًا من المجادلين والمعترضين على أكثر من نصف ما سيقوله مستقبلًا!

ولا يبدو أن الصدر منزعج من هذا التوجه لدى أنصاره بأي شكل من الأشكال، ففي إحدى وصاياه الأخيرة، طالب أن يتم تخصيص 90 دقيقة يوميًا للقراءة عن العلوم والأدب والفكر، وهي ساعة ونصف يعرف الصدر جيدًا أنها ستخلق داخل تياره جيشًا من المجادلين والمعترضين على أكثر من نصف ما سيقوله مستقبلًا.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الصدر بالمقلوب.. هل يمثّل العقائدي الوطني؟

آفاق حراك الصدريين.. فسحة لبناء عراق مدني!

الكلمات المفتاحية

.

الخطاب الانتخابي في العراق.. انحدار المضمون وضياع الاتجاه

"المتابع بدقة للخطاب الانتخابي الحالي يدرك سريعًا أنه خطاب فقير وهشّ"


انتخابات اقتراع صندوق الانتخابات التصويت.PNG

شيء عن المقاطعة و"تقديس الانتخابات" في العراق

تختلف أي انتخابات في عام ما بعد 2021 عن أي انتخابات سبقتها في العراق


.

كيف يقوّض النائب "المعقّب" البرلمان العراقي وما المطلوب فعله؟

كيف يستعيد مجلس النواب شيئًا من قدرته على توجيه القرار العام؟


.

الرأي العام العراقي بين العاطفة والمبادئ.. قراءة في انتقائية التفاعل

الرأي العام ليس مجرد ردة فعل شعبية

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

المنتخب العراقي
منوعات

الكرة عاندت الأسود.. المنتخب العراقي يودع بطولة كأس العرب من دور الثمانية

ودع المنتخب الوطني العراقي بطولة كأس العرب 2025 المقامة في قطر بخسارة أمام الأردن بهدف واحد بعد أداء قوي وفرص محققة


GettyImages-78409916.jpg
اقتصاد

10 نقاط تريدها المؤسسات الدولية من العراق.. تخفيض الإنفاق العام ولا وظائف

أخطاء ناجمة عن السياسات الاقتصادية الكلية

.
منوعات

الغيابات تعصف بالمنتخب العراقي في مواجهة الأردن.. و5 لاعبين فقط على دكة البدلاء

المنتخب العراقي ونظيره الأردني يتمتعان بمهارات متشابهة

الأكثر قراءة

1
مجتمع

كيف يحدث التشويش على GPS وتطبيقات الخرائط في المنطقة الخضراء وسط بغداد؟


2
سياسة

موزع ماريجوانا في ديترويت.. من هو مبعوث ترامب إلى العراق؟


3
سياسة

مشروع قطاع خاص يتحول لـ"ابتزاز" انتخابي.. مرشح مع السوداني يفصل موظفين لرفضهم انتخابه


4
سياسة

البرلمان يمرر قائمة السفراء المرسلة من السوداني.. حديث عن مخالفات و"إصرار على المحاصصة"


5
اقتصاد

تداعيات كارثية داخليًا وهزة قصيرة بالسوق العالمية.. خبير يفصّل في سيناريو "تصفير صادرات النفط العراقي"