القداسة السياسيّة بوصفها بابًا من أبواب الإفلات من العقاب
29 يناير 2026
لم يكن الإطار التنسيقيّ الحاكم أوّلَ ولا آخرَ تجمّعٍ سلطويٍّ يقوم بمحاولة إضفاء النزعة القدسيّة على حكوماته المتعاقبة، منذ أوّل انتخاباتٍ تشريعيّةٍ جرت بعد سقوط نظام البعث في 15 كانون الأوّل/ديسمبر 2005، وصولًا إلى الانتخابات الأخيرة التي أُقيمت في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، على اختلاف الأسماء والأغلفة التي دخلت بها التنظيمات التي يتشكّل منها هذا الإطار إلى العمليّة السياسيّة. فالدين السياسيّ بالنسبة لهذه الجماعات، كما هو واضحٌ جدًّا، يُعدّ منذ أمدٍ بعيد تجارةً رابحة، يضمن لأصحابه الحقّ الشرعيّ، على مدى وجودهم، في ممارسة هوايتهم المفضّلة في "الإفلات من العقاب"، بحِيَلٍ شرعيّةٍ وفقهيّةٍ أُعدّت خصيصًا لهذا الغرض.
فلا يمكن، بأيّ حالٍ من الأحوال، إخفاء الضرر الذي تسبّبت به قيادات هذه الأحزاب الإسلاميّة الشيعيّة لنا نحن أبناء جلدتهم، عندما استخدمت المشاعر الدينيّة والشعائر المذهبيّة الخاصّة بملايين المظلومين والبسطاء من الشيعة قبل غيرهم، لأغراض السيطرة التامّة على عقولهم وضمائرهم، واتّخاذهم سُلّمًا للصعود والعروج إلى السلطة المُنتظَرة منذ مئات السنين. هذه السلطة الغالية التي وصفها أمين عام حزب الدعوة الإسلامية نوري كامل المالكي بقوله: "هو اكو واحد يگدر ياخذها حتى ننطيها بعد؟"، وكأنّه يعلن نفسه خليفةً لصدام حسين وحزبه. ففي الحقيقة، لم يتغيّر الكثير؛ فقد تحوّلنا من دكتاتوريّة الرجل الواحد إلى دكتاتوريّة الزمرة التوافقيّة، والمالكي وحزبه -الدعوة- هنا يمثّلان رأسَ الهرم لهذه الزمرة.
فمَن ذا الذي يتجرّأ على أن يكسر هذا "الحكم المقدّس" الذي توارثه طغاتُنا التوافقيّون، الولائيّون، الإخوانيّون، والقوميّون، وغيرهم؟ ناهيكَ عن استحمار أذناب هؤلاء جميعًا، وتكدّسهم كأكوام القمامة، كنوعٍ من العرقلة أمام كلّ عقلٍ نيّرٍ يسعى لإنقاذ عقول البسطاء من محارق التجهيل.
محارقٌ تخريبيّة دفعنا ثمنها غاليًا جدًّا؛ فقد تعرّضت الكثير من الجموع البشريّة العراقيّة، خاصّة بعد انهيار نظام حزب البعث سنة 2003، لعمليّة إغراقٍ كارثيٍّ بالأوهام على يد الأحزاب الإسلاميّة بكافّة صنوفها، ممّا أدّى إلى تخلّي هذه الجموع، بطريقةٍ هستيريّةٍ، عن حقوقها الأساسيّة في حياةٍ كريمةٍ ومستقبلٍ أفضل، بعد أن هُمِّشوا وتعبوا بما يكفي لحقبٍ طويلة. لكن، على ما يبدو، فإن غسيل الأدمغة الذي مُورِس بحقّهم كان أقوى من أيّ إرادةٍ حقوقيّةٍ في تلك الأثناء.
إنّ أبشع جريمةٍ تُرتكب بحقّ "المقدّس" هي تجريده من عفويّته التاريخيّة، وبيئته الاجتماعيّة، ومكانته النفسيّة في القلوب، وإلقاؤه زورًا في مستنقع السياسة على يد زعماء الخراب المرّائين، ليتّخذوا منه أداةً للسيطرة على مشاعر الأتباع البسطاء، وتقزيم الحاجات الملحّة التي تتفجّر يوميّاً في قرارة أنفسهم جرّاء الأوضاع المزرية التي تهدّد كرامتهم ووجودهم بسبب ذات الزعماء الفاسدين. حتّى أصبح هذا الملفّ -القدسيّة المذهبيّة- ملفًّا للابتزاز الموسميّ تجاه أتباعهم في كلّ موسمٍ انتخابيّ، وتهديدًا وهميًّا مُبطّنًا على شاكلة شعار رئيس تيّار الحكمة، عمّار الحكيم، إبان الانتخابات الأخيرة: "لا تضيّعوها". وهو، بهذه الحالة ومَن معه، يُلمّحون لسلطة مذهبهم التي إن ضاعت، فستذهب معها كلّ طقوسهم على يد المذهب الآخر إن تسلّط عليهم مرّةً أخرى، وهم كاذبون في هذا بكلّ تأكيد. حتّى إذا انتهت "الأزمة الانتخابيّة الابتزازيّة"، زال التهديد، وجلس المتخاصمون المذهبيّون مع بعضهم البعض، وهم يضحكون عهرًا على البسطاء المغشوشين من كلا الجانبين، ليُكتب لخططهم القبيحة النجاح مرارًا وتكرارًا، ولتفشل الأدمغة المغسولة الرهان مرّاتٍ أُخَر.
هذا من ناحية جماهيرهم من الطيف المذهبيّ الواحد. أمّا بشأن معارضيهم -سواء كانوا من أبناء جلدتهم أم من أطيافٍ مذهبيّةٍ وسياسيّةٍ أُخرى- فهنا تبرز مشكلةٌ أكثر تعقيدًا، ألا وهي مسألة موانع الانتقاد، خشية الوقوع في فخّ التجاوز على المقدّس الذي ربطوا أنفسهم به على غير وجه حقّ، لكونه الحصن الأخير الذي قد يَقيهم من غضب العراقيّين ونقدهم الذي يُعرَف بأنّه قاسٍ جدًّا. حتّى وصل الأمر بهم إلى أن يُطلقوا وحوشهم لتفترس الناس التي لا تنصاع لأوامرهم القادمة من خلف الحدود، بالإضافة إلى استخدامهم أقذر الأسلحة المعنويّة تجاه كلّ مَن يُعارض أحزابهم الدينيّة، على شاكلة ادّعاءات التخوين، والكفر، والارتداد، والزندقة. وهذه، بالطبع، تُهَمّ جاهزةٌ ورخيصةٌ ليس لها أيّ محلٍّ من الإعراب في عالم السياسة. يُريدون شرعنة الرأي الواحد، كما كان يفعل النظام الذي أسقطته الولايات المتّحدة من أجل مصالحها، قبل أن يركبوا موجتها ويتسلطوا على رقابنا. فمَن يؤمن بتصرّفاتهم المُخرِّبة التي تُسيء إلى الإسلام الذي يدّعون وصلهم به، فهذا موالٍ وشريف وسينال الجنّة. ومن يحاول معارضتهم وكشف زيفهم باسم الدين والمذهب، واستغلالهم الفاضح لآل بيت النبيّ لتثبيت عروشهم، وتجويع وتشريد وتجهيل الناس، فهذا كافرٌ زنديقٌ عميلٌ –حسب رأيهم– وما إلى ذلك من صفاتٍ لا تسكن إلّا في قلوبهم المريضة.
لا تُدار السياسة بهذه الألاعيب المخزية التي لن تؤدّي إلّا إلى الفشل الدائم والتراجع المُهلك، بل تُدار بمشاريع متطوّرة تتناسب والزمن الذي لا يرحم الأقوام الجاهلة التي تفكّر بهوسٍ حقيرٍ في أن تكون ذيلًا لمرشدٍ هنا، ولثورةٍ مُصدَّرةٍ هناك.
الكلمات المفتاحية
منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة
أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي
يضم دول المنطقة وأوروبا.. العراق يدعو إلى حلف دبلوماسي لوقف الحرب
دعا العراق إلى تأسيس تحالف دبلوماسي يضم دول المنطقة ودول الاتحاد الأوروبي، بهدف الإيقاف الفوري للحرب، كما دعا الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إصدار قرار بإيقاف الحرب، وطالب مجلس الأمن بتحمل بمهامه ومسؤولياته لضمان السلم والأمن الدوليين
السوداني: أتقدم إلى مجتبى خامنئي بالتهنئة.. والعراق يقف إلى جانب إيران
أصدر محمد شياع السوداني بيان تهنئة بمناسبة انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا للجمهورية الإسلامية في إيران خلفًا لوالده علي خامنئي الذي اغتيل في اللحظات الأولى من العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران
نوري المالكي يدعو إلى "تحصين الجبهة الداخلية" في العراق
دعا نوري المالكي، إلى تحصين الجبهة الداخلية بما يسهم في دعم "الاستقرار السياسي" وانتظام عمل مؤسسات الدولة خلال المرحلة المقبلة