ultracheck
رأي

إرث الاستبداد الثقيل

24 مارس 2020
الاستبداد_1.jpg
الاستبداد نقيض للنقد والتقويم (فيسبوك)
رعد أطياف
رعد أطيافكاتب من العراق

وسط جماعات مضطربة ومأزومة تغيب فيها ثقافة النقد، فلا حلول لديها للحفاظ على بقائها سوى المزيد من الاستبداد. ذلك أن الاستبداد نقيض للنقد والتقويم، كما أنه لا يقبل بإعادة النظر في أدبياته القديمة. ولكي يحافظ على مكانته السحرية، لا بد أن تتمثّله الجماعات على شكل شخص أو منظومة أفكار لضمان امتدادها وديمومتها. ظاهرة الاستبداد تتفشى في ذهنية الفرد العراقي؛ فهو لا يطيق فكرة الاختلاف، ويحلو له التغني بها، لكنّه يجردها من كل مضمون في ممارسته اليومية. ويبدو أن إرث الديكتاتورية الثقيل لا زال راسخًا في الذاكرة العراقية. إذ لا تتغير سوى الأشكال التعبيرية، غير أن المضمون هو واحد.

لا زال شبح الاستبداد يخيّم على مجمل تواصلنا مع الآخرين، فنظرة سريعة على مواقع التواصل ستتضح هذه الحقيقة

الصفة الوحيدة التي نتفوق بها على الدوام هي أننا أعداء لبعضنا، ولدينا قدرة استثنائية على صنع العداوات؛ فأنت لمجرد أن تكون خارج قناعات الآخرين فستحل عليك اللعنة بكيفيات مختلفة! إن العالم الافتراضي، على سبيل المثال، يوضح بجلاء الكيفية التي تعمل بها أذهاننا المضطربة. توهمنا، مثلًا، إن العناوين البراقة قد تعصمنا من ظاهرة الاستبداد وتمنحنا حرية التفكير. قراءة الكتب الحداثية ما لم تساهم في عملية غربلة للفهم، أي تجري عملية تأويل جديدة للوعي، فينظر إلى الواقع من منظور مختلف وجديد، فهي لا تتعدى مكانة الأرشيف ومراكمة المعلومات. لكن ماذا يحدث؟ ما يحدث إن الخارطة النفسية لم تبارح مكانها القديم ولم يجري تخطيط جديد لاتجاهاتها! إذ لا زال شبح الاستبداد يخيّم على مجمل تواصلنا مع الآخرين، فنظرة سريعة على مواقع التواصل (التي هي انعكاس لما نفكر) ستتضح هذه الحقيقة.

اقرأ/ي أيضًا: الهوية والحرية

أما لماذا نستعين بمواقع التواصل الاجتماعي؟ لأنها تعبر، غالبًا، عن الأمنيات المكبوتة، وتسمح، بشكل وبآخر، للتفكير عن المسكوت عنه في الواقع الفعلي، وتوضح لنا بجلاء قوة ورسوخ الاستبداد الاجتماعي. لا وجود في هذه المواقع لذوي الفكر الحر، فسرعان ما تجتمع القطعان على تسقيطه وتسجيله في قاموسها الرجيم. لذلك يتجنب الكثير من الأفراد تلك المتاعب! ويضيق مساحة التواصل للمقربين لكي يكون بمأمن من تلك القطعان. وبالمناسبة؛ تتنوع القطعان هنا على اختلاف مشاربها، فكما ذكرنا أعلاه، أن القشرة السطحية للتفكير لامست بعض التغييرات، لكنّ البنية النفسية ظلت وفية لذلك التعقيد وهو نفي الآخر من سجلّها طالما يختلف معها في الفكر، فالاستبداد صديق حميم وقديم.

ليس بالضرورة أن نسلّط الضوء على الأفراد المثقفين ونحملهم مسؤولية أكبر من إمكانياتهم، لأنهم ليسوا فاعلين، ولا يتمتعون بحاضنة اجتماعية، ولا يخوضون غمار العمل الاجتماعي والسياسي، وقد اكتفوا بوظيفتهم الأكاديمية. وتاريخ العراق يؤشر لنا بوضوح، إن المثقف لا يمكنه الخروج من دائرة الحزب أو الطائفة، فهو إما مثقف حزبي أو قومي أو طائفي، وقد ازدادت هذه الأخيرة في عراق مابعد 2003. وللأنصاف لم يعد ذلك المثقف اليساري أو القومي الذي أنتجه هذا الحزب أو ذاك لكي نسقط عليهم خيباتنا، أو نتهمهم، على الأقل، بالمساهمة بترسيخ السلطة الاجتماعية والسياسية للاستبداد! إذ لم يتبقَ بشكل عام سوى المثقف الأكاديمي المهتم بمجموعاته الشعرية ورواياته وجمهوره الخاص.

 ثمّة كراهية غريزية، على ما يبدو، تجاه المثقفين، وتقابلها كراهية غريزية أيضًا تجاه المؤسسات والميل إلى الشخوص، بشهادة حنّا بطاطو، ساهمت، على ما يبدو، بترسيخ ثقافة الاستبداد التي تبجّل شيخ القبيلة ورجل الدين كنقطة مرجعية آمنة. والمطلع على واقعنا سيرى العجب العجاب.

 فالاستبداد يبدأ من العائلة ويمر بسلوك الجماعات،  وينتهي بالسلطة السياسية التي ربما تتخذ من الديمقراطية آلية للحكم! هذا الاستبداد العزيز على قلوبنا يزودنا دومًا بإرث ثقافي غزير (عادات وتقاليد ولغة مشبعة بالعنف) ويشيّد لنا بنية تحتية صلبة لنفي المختلف. أما دعوات الحرية والاعتراف بالآخر التي نسمعها بين الحين والآخر، فهي ليست سوى زورق تائه في عرض المحيط.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

في العدمية السياسية

آلام وتحديات الواقع

الكلمات المفتاحية

.

الخطاب الانتخابي في العراق.. انحدار المضمون وضياع الاتجاه

"المتابع بدقة للخطاب الانتخابي الحالي يدرك سريعًا أنه خطاب فقير وهشّ"


انتخابات اقتراع صندوق الانتخابات التصويت.PNG

شيء عن المقاطعة و"تقديس الانتخابات" في العراق

تختلف أي انتخابات في عام ما بعد 2021 عن أي انتخابات سبقتها في العراق


.

كيف يقوّض النائب "المعقّب" البرلمان العراقي وما المطلوب فعله؟

كيف يستعيد مجلس النواب شيئًا من قدرته على توجيه القرار العام؟


.

الرأي العام العراقي بين العاطفة والمبادئ.. قراءة في انتقائية التفاعل

الرأي العام ليس مجرد ردة فعل شعبية

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

الإطار السني
أخبار

"الإطار السني" يقترح عقد جلسة البرلمان الأولى قبل الكرسمس

اقترح المجلس السياسي السني عقد الجلسة الأولى لمجلس النواب الجديد قبل يوم الميلاد "الكرسمس"، داعيًا رئيس الجمهورية إلى تحديد الموعد بسرعة.


تدمر
أخبار

العراق يدين الهجوم على القوات الأميركية والسورية في تدمر

أدان العراق الهجوم الذي استهدف قوات أميركية وسورية قرب مدينة تدمر محذرة من "تهديدات إرهابية" ما تزال قائمة

اجتماع الإطار التنسيقي بعد اغتيال نصر الله.jpg
سياسة

نقاش اختيار رئيس الحكومة.. هل تم الاتفاق على مرشح داخل قوى الإطار؟

ستدخل نقاشات تشكيل الحكومة إلى مرحلة أكثر جدية بعد مصادقة المحكمة الاتحادية

الأكثر قراءة

1
مجتمع

كيف يحدث التشويش على GPS وتطبيقات الخرائط في المنطقة الخضراء وسط بغداد؟


2
سياسة

موزع ماريجوانا في ديترويت.. من هو مبعوث ترامب إلى العراق؟


3
سياسة

مشروع قطاع خاص يتحول لـ"ابتزاز" انتخابي.. مرشح مع السوداني يفصل موظفين لرفضهم انتخابه


4
سياسة

البرلمان يمرر قائمة السفراء المرسلة من السوداني.. حديث عن مخالفات و"إصرار على المحاصصة"


5
اقتصاد

تداعيات كارثية داخليًا وهزة قصيرة بالسوق العالمية.. خبير يفصّل في سيناريو "تصفير صادرات النفط العراقي"