ultracheck
رأي

آباء "ورعايا".. رحلة التمرّد الطويلة

18 فبراير 2020
GettyImages-1201233980_0.jpg
الأجيال هي ناقمة بالضرورة من الأجيال السابقة (Getty)
رعد أطياف
رعد أطيافكاتب من العراق

عموم الأجيال اللاحقة هي ناقمة بالضرورة - بطريقة مباشرة أو غير مباشرة - من الأجيال السابقة، وتحاول قدر الإمكان الانفلات من قبضة الماضي المتمثّلة بهيمنة "الآباء" واشتراطاتهم على الجيل الجديد. وتكون الأجيال الجديدة، عادةً، مدعومة بالأفق المعرفي الراهن كنقطة شروع ونقطة مرجعية ومادّة خصبة للتفكير والسلوك الجديدَين. إن التحولات الكبرى تخترق، عادةً، البنى الاجتماعية وأنماط التفكير التقليدية، فتبدأ عملية الصراع بين أجيال طموحة تتطلّع إلى مستقبل لا يشبه مستقبل الآباء، وبين قيم محافظة تعلن وصايتها على الأبناء.

الأجيال هي ناقمة بالضرورة من الأجيال السابقة وتحاول قدر الإمكان الانفلات من قبضة الماضي المتمثلة بهيمنة الآباء

 استطاع المجتمع البغدادي في الحقبة الملكية الانسلاخ من القيم العشائرية المهيمنة، التي تشكّل أحد العناصر الأساسية لبنية المجتمع العراقي، وظهرت "طبقات" جديدة مستندة على أفكار تقدمية لم يألفها العراقيون، وظلّت هذه الطبقات ترفد الثقافة العراقية بكل ما هو جديد، وبدا كما لو أن المجتمع العراقي دخل في عملية التقسيم الاجتماعي الحديث؛ أحزاب، ونقابات، وهيئات، وجمعيات، ورجال أعمال، وأحزاب، وطلّاب جامعات. وبالتأكيد كان الانفتاح مدعومًا بأفقٍ معرفيٍ جديدٍ، وهو القيم الأوروبية.

اقرأ/ي أيضًا: المقاومة والسلطة.. معركة النفور المتبادل

لكن لا تستطيع الأجيال الصاعدة من استيلاد الجديد دفعة واحدة، وبتعبير آخر، أن القديم لا يختفي كليًّا، فهو أقوى وأمضى وأكثر رسوخًا، ومدعوم بالذاكرة الاجتماعية المقاومة لكل ما هو جديد، ابتداءً من الأسرة، ومرورًا بالمجتمع، ونهاية بالمؤسسة السياسية. هذه الذاكرة الاجتماعية ليست مفصولة عن السلطة بمفهومها العام، وإنما هي جزء لا يتجزأ من السلطة وإكراهاتها وممارساتها التعسفية.

ولكي نفهم ما هي القوة التي تساهم في الوقوف كعقبة في وجه الأجيال الجديدة، نحتاج إلى قراءة مغايرة للسلطة، بدلًا من الفهم الكلاسيكي لها. الفهم الكلاسيكي يقول، إن السلطة تأتي من فوق، وإنها تتموضع في مكان، أي أنها تتركز بؤرة نشاطاتها في المؤسسة السياسية المعروفة. وبشكل عام يبدو مفهوم السيادة بشكله المتعارف، لا يكفي لإماطة اللثام عن آليات السلطة.

 إن السلطة، بحسب ميشيل فوكو، إستراتيجية، وإنها تتخلّل كل مسامات وعينا، ولا تنحصر أوامرها من فوق فحسب، بل تأتي من تحت؛ تساهم بها وتستخدمها فئات اجتماعية واسعة، وهي مستمرّة في إيصال رسائل إلى السلطة السياسية العليا لكي تدفعها إلى ممارسة بعض الإكراهات ضد الفئات الاجتماعية المعارضة، والتي تكون عادةً من الأجيال الجديدة المتمردة على كل ما هو قديم، وتسعى لنيل حريتها الشخصية بمعزل عن أي شكل من أشكال الاستبداد. ليس بالضرورة أن تكون فعاليات المعارضين هي المنافسة على السلطة السياسية بطابعها الكلاسيكي، بل قد يكون المعارضون يؤمنون ببعض الأفكار التي تعكّر صفوّ المجتمع وتستفز ذاكرته. وهذا ما حصل - بشهادة فوكو- إن قام الرعايا الفرنسيون بكتابة رسائل إلى الملك تطلب منه إعدام الملحدين!

فبالتالي أن المجتمع العراقي، وبتقاليده المحافظة، استطاع أن يحرّك سلطته النافذة من خلال أحد أشكالها المتواجدة في المؤسسة السياسية. أعني، إن سلطة الأحزاب الدينية هي بالحقيقة سلطة المجتمع المحافظ الذي وقف بقوة تجاه الجيل الجديد خوفًا على زحزحة يقينياته ومسلماته التي تشكّل له نقطة مرجعية صلبة ليس من السهولة إزاحتها. وعلى الرغم من فساد السلطة ونقمة الشعب العراقي بشكل عام على أدائها المشين، لكنّ العراقيين وإن اختلفوا بالجزئيات مع هذه السلطة، فستبقى الخطوط العريضة متفق عليها بالتأكيد؛ وهي العلاقة الحميمية المذهبية والشعور بالمصير المشترك، والتناغم المستمر لسلطة المجتمع المحافظة.

 سيبقى التجديف هي التهمة الجاهزة لهذا الجيل في مجتمع يضحي بأي شيء ولا يضحي بقيمه القبلية والمذهبية

 فلا الفساد ولا الخذلان الذي مُنيَ به الشعب العراقي من هذه الأحزاب يمكنه أن يزعزع اليقين الثابت والعدائية المبطنة تجاه الأجيال الجديدة. إن أخطر ما يمكن التعرّض إليه بالنسبة للمجتمعات المحافظة، مثل المجتمع العراقي، ليس الفساد، ولا غياب المؤسسات، ولا التخلّف الاقتصادي والصحي والخدمي، وإنما أكبر ما يهدد وجوده هو تعرّض قيمه المحافظة للتهديد من الأجيال الجديدة!

اقرأ/ي أيضًا: التغيير بين الحلم والواقع

هل هذه مصادفة إن تهمة الإلحاد والتعرّض للرموز الدينية تُعد من الآثام الكبيرة في المجتمع العراقي؟ لذا، إن التحرك الشبابي الواعد حتى لو ابتعد عن هذه التصرفات سيبقى "الآباء" يذكّرونه بأن التجديف هي التهمة الجاهزة في مجتمع يضحي بأي شيء ولا يضحي بقيمه القبلية والمذهبية.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

خصومات مزمنة ومعارك ذهنية

التنظيم السياسي.. وقاية من الدكتاتورية المضادة

الكلمات المفتاحية

.

الخطاب الانتخابي في العراق.. انحدار المضمون وضياع الاتجاه

"المتابع بدقة للخطاب الانتخابي الحالي يدرك سريعًا أنه خطاب فقير وهشّ"


انتخابات اقتراع صندوق الانتخابات التصويت.PNG

شيء عن المقاطعة و"تقديس الانتخابات" في العراق

تختلف أي انتخابات في عام ما بعد 2021 عن أي انتخابات سبقتها في العراق


.

كيف يقوّض النائب "المعقّب" البرلمان العراقي وما المطلوب فعله؟

كيف يستعيد مجلس النواب شيئًا من قدرته على توجيه القرار العام؟


.

الرأي العام العراقي بين العاطفة والمبادئ.. قراءة في انتقائية التفاعل

الرأي العام ليس مجرد ردة فعل شعبية

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

المنتخب العراقي
منوعات

الكرة عاندت الأسود.. المنتخب العراقي يودع بطولة كأس العرب من دور الثمانية

ودع المنتخب الوطني العراقي بطولة كأس العرب 2025 المقامة في قطر بخسارة أمام الأردن بهدف واحد بعد أداء قوي وفرص محققة


GettyImages-78409916.jpg
اقتصاد

10 نقاط تريدها المؤسسات الدولية من العراق.. تخفيض الإنفاق العام ولا وظائف

أخطاء ناجمة عن السياسات الاقتصادية الكلية

.
منوعات

الغيابات تعصف بالمنتخب العراقي في مواجهة الأردن.. و5 لاعبين فقط على دكة البدلاء

المنتخب العراقي ونظيره الأردني يتمتعان بمهارات متشابهة

الأكثر قراءة

1
مجتمع

كيف يحدث التشويش على GPS وتطبيقات الخرائط في المنطقة الخضراء وسط بغداد؟


2
سياسة

موزع ماريجوانا في ديترويت.. من هو مبعوث ترامب إلى العراق؟


3
سياسة

مشروع قطاع خاص يتحول لـ"ابتزاز" انتخابي.. مرشح مع السوداني يفصل موظفين لرفضهم انتخابه


4
سياسة

البرلمان يمرر قائمة السفراء المرسلة من السوداني.. حديث عن مخالفات و"إصرار على المحاصصة"


5
اقتصاد

تداعيات كارثية داخليًا وهزة قصيرة بالسوق العالمية.. خبير يفصّل في سيناريو "تصفير صادرات النفط العراقي"